في أوقات الحروب والأزمات، يتحول الإعلام من مجرد ناقل للأحداث إلى لاعب رئيسي في تشكيل الوعي العام وصياغة الاتجاهات. ومع تصاعد وتيرة الحرب الحالية في الخليج العربي، بات الإعلام في قلب المعركة، لا يقل تأثيراً عن الأدوات العسكرية، حيث تتداخل الحقيقة مع الرأي، وتتشابك الوقائع مع الروايات المتباينة. ولعل أحد أبرز التحديات التي تواجه الإعلام في مثل هذه الظروف هو الحفاظ على المصداقية.
ففي ظل تدفق هائل للمعلومات، بعضها دقيق والآخر مضلل، يصبح من الصعب على المتلقي التمييز بين الحقيقة والإشاعة. هنا تبرز مسؤولية المؤسسات الإعلامية في التحقق من مصادرها، وعدم الانجرار خلف السبق الصحافي على حساب الدقة، فخطأ واحد في نقل معلومة قد يثير الذعر أو يؤثر على الاستقرار الداخلي.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن الإعلام قد يُستخدم كأداة لتوجيه الرأي العام، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فالدول والأطراف المتنازعة تسعى إلى تقديم روايتها الخاصة للأحداث، محاولة كسب التأييد المحلي والدولي، وهذا ما يخلق حالة من «حرب الروايات»، حيث لا تقتصر المعركة على الميدان، بل تمتد إلى شاشات التلفزة ومنصات التواصل الاجتماعي. وبالموازاة هنا نجد أن وسائل التواصل الاجتماعي تحديداً لعبت دوراً متسارعاً في هذه الحرب الإعلامية، فقد أصبح أي فرد قادراً على نشر الأخبار والمقاطع المصورة في لحظات، ما ساهم في تسريع تداول المعلومات، لكنه في الوقت ذاته فتح الباب أمام انتشار الإشاعات والأخبار الكاذبة. ومع غياب الرقابة الفورية، قد تتحول بعض هذه المعلومات إلى حقائق متداولة رغم عدم صحتها، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الإعلامي.
وفي دول الخليج، يكتسب الإعلام أهمية مضاعفة نظراً لحساسية المرحلة، فالحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية يتطلب خطاباً إعلامياً متوازناً يجمع بين الشفافية والطمأنينة. فالمواطن بحاجة إلى معرفة ما يحدث، لكنه في الوقت ذاته يحتاج إلى الشعور بالأمان وعدم الانجرار خلف التهويل أو التهوين.
ومن هنا، تبرز أهمية الوعي المجتمعي في التعامل مع المحتوى الإعلامي، فالمتلقي لم يعد عنصراً سلبياً، بل أصبح شريكاً في عملية تداول المعلومات. وكلما زاد وعي الأفراد بضرورة التحقق من الأخبار قبل نشرها، تراجعت فرص انتشار الإشاعات. وهذا يضع مسؤولية مشتركة بين الإعلام الرسمي والجمهور في مواجهة الفوضى المعلوماتية.
وفي المحصلة، يظل الإعلام سلاحاً ذا حدين في زمن الأزمات. فإما أن يكون أداة لتعزيز الاستقرار من خلال نقل الحقيقة بموضوعية، أو يتحول إلى عامل تأزيم إذا انجرف وراء التهويل أو التضليل. وبين هذين الحدين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، ليس فقط على مستوى مجريات الحرب، بل أيضاً على مستوى وعي المجتمعات وقدرتها على الصمود في وجه التحديات. والله الحافظ.