اقرأ ما يلي...

خيانة عارية

23 أبريل 2026 10:00 م

آنا مونتِس، كانت ترى نفسها إنسانة ذات مبادئ أخلاقية، خاصة عندما سرّبت معلومات حساسة عن وطنها لصالح العدو. لم تكن آنا سياسية أو صاحبة منصب قيادي، بل موظفة هادئة جداً، وعُرفت بين زملائها بالانضباط وكفاءتها العالية. لم تطلب المال مقابل خيانتها ولا تعرّضت للابتزاز، وإنما رأت أن ما قامت به هو عمل أخلاقي.

بعد أن حُكم على آنا مونتِس التي كانت من كبير محللي الشؤون الكوبية في وكالة الدفاع الأميركية، بالسجن 25 عاماً، بدأت مرحلة مختلفة من حياتها. لم تعد تتحدث عن البطولة والمبادئ والأخلاق، بل عن الوحدة والخسارة وثمن القرار الخاطئ. لقد تغيّرت قناعاتها تماماً، على الرغم من أنه كان هنالك متّسع كبير من الوقت والحرية كي تعيد التفكير في قناعاتها وتبعات الخيانة، وما الذي ستكسبه إذا قامت بخيانة وطنها؟

كنتُ أتحدث مع إحدى الزميلات عن التغيرات الفكرية التي مررتُ بها منذ الطفولة وحتى الآن، مررت بالعديد من التيارات الفكرية والسياسية التي ألهمتني وألهمت العديد من الناس. هناك من يأخذ «الزبدة» ويرحل، وهناك من يبقى معتقداً بهذا الفكر ومؤمناً به، وهناك من يجعلها فكرة تستحق التضحية لأجلها. البعض يتبنّى فكراً (أيديولوجيا أو عقيدة أو مبدأ) ويصبح المرجع الوحيد في حياتهم، مع ضرورة تعطيل الضمير الأخلاقي (التعاطف، الشعور بالذنب، احترام قيم الإنسان كإنسان). حينها، تصبح الجريمة مقبولة، ويبرّرها بأنها خدمة لقضية أعظم، لا كفعل مؤذٍ بذاته.

علم النفس يسمّي ذلك بالانفصال الأخلاقي، والذي يتواجد بقوة في الجرائم الأيديولوجية؛ فالقتل يعني تضحية، والخيانة تعني واجباً أخلاقياً، والظلم يعني ضرورة موقتة. ويسمّي علماء النفس هذا بالتسمية اللطيفة، وهي أخطر آليات تبرير الأفعال المؤذية. حينها يحوّل الخائن ضحاياه إلى فكرة، فلا تعود الضحية إنساناً بوجه ومشاعر، بل هي: نظام، عدو، خونة، الجهة الأخرى، حلفاء العدو... إلخ. وتُعرَف هذه العملية بنزع الإنسانية، وقد ثبت ارتباطها بزيادة العنف وغياب الندم.

الخائن عادة لا يسأل: هل ما أقوم به خطأ؟ في المقابل: هل ما أقوم به يخدم فكرتي؟ يُلغي الخائن حينها الحكم الأخلاقي الذاتي، ويُسلّمه للفكرة أو للجماعة. وصفته المفكرة الإلمانية هانا أرندت، بأنه «تفريغ العقل من التفكير الأخلاقي»، وهو جوهر ما سمّته تفاهة الشر.

ويُقنع الخائن نفسه بأن ما يفعله سيئ، لكن غيره يفعل الأسوأ. يستخدم هذا التبرير ليخفّف الشعور بالذنب، لا ليمنع الجريمة. ويُعدّ هذا أخطر من الشر الصريح؛ لأن الشر يعلم أنه شر، أما القناعة الفكرية بلا أخلاق فتعتقد أنها الخير المطلق. لذلك لا يعتذر، ولا يتوقف، ولا يرى نفسه مخطئاً. وتشير الدراسات في علم الجريمة إلى أن الجرائم الأيديولوجية غالباً ما تكون أكثر قسوة واستمرارية من الجرائم الفردية.

ليس كل من يتبنّى فكرة هو مجرم، ولكن عندما تنفصل الفكرة عن الأخلاق يبدأ الإنسان بالتضحية لأجل الفكرة، وإن كانت الخسائر بشرية ومادية، أو خيانة وطن. لذا فالفكرة التي تحتاج إلى سحق إنسان كي تعيش هي فكرة لا أخلاق لها مهما بدت عادلة. الأخلاق فرامل تمنع الفكر من التحول إلى جريمة.

في لحظة ما، تتوقف الفكرة عن كونها وسيلة للفهم، وتطالب بأن تُطاع. تتحول من سؤال مفتوح إلى يقين مغلق، ومن اجتهاد بشري إلى مطلق مقدّس يعلو على الإنسان نفسه. وحينها، مهما كثرت الأصوات التي تذكّره بحب الوطن، وبمعنى الولاء، وبحدود الأخلاق، فلن يُصغي؛ لأن الفكرة حين تتقدّس لا تقبل نصحاً، ولا ترى في التحذير إلا خيانة، وفي الاختلاف إلا تهديداً. عند هذا الحد، لا يعود الضمير شاهداً يُحتكم إليه، بل عائقاً يجب إسكاته، ويُعاد وزن الأفعال لا بميزان الصواب والخطأ، بل بمدى خدمتها للفكرة. هكذا يكتمل السقوط: حين يُبرَّر الأذى باسم القناعة، وتُجمَّل الجريمة بلغة المبادئ، ويغيب عن صاحبه أن أي فكرة لا تسمع صوت الإنسان... ليست حقيقة، بل سلطة عمياء.