«وقف النار 2» وإنهاء تفخيخ البلدات وتدميرها... على الطاولة

رعاية أميركية مرموقة لجولة المفاوضات التمهيدية الثانية بين لبنان واسرائيل

22 أبريل 2026 10:00 م

تَنتظر بيروت أن يتحوّلَ التفاوضُ المباشر بينها وبين تل أبيب والذي يشهد الخميس، ثاني جولاته التمهيدية في واشنطن على مستوى السفراء الناظمَ «الرسمي» لملف لبنان بوصفه «مستقلّاً» عن جبهة إيران والمسارَ الذي يُخْرِجها من دائرة اللاعب المؤثّر في تحديد مصير «بلاد الأرز» من دون أن يَسْقُط عاملُ تأثُّر الوطن الصغير بمآلاتِ الحرب التي تخوضها طهران والتي اقتيد إليها عنوةً في 2 مارس الماضي.

وتَعتبر أوساطٌ مطلعة أن تمديدَ وَقْفِ النار، وإن الهشّ، الذي بدأ سريانُه في 17 الجاري ومدّته 10 أيام على جبهة لبنان، والذي يُتوقَّع أن يَحصل في كنف الجولة الثانية من المحادثات التيسيرية التي تَسبق إطلاقَ المفاوضات المباشرة الرسمية سيكرّس أكثر فَصْلَ المَسارِ اللبناني عن الإيراني عبر نَسْبِ «الأيام الإضافية» من الهدنة التي يمكن أن ترسو على نحو شهر (بحال رَفَضَتْ إسرائيل المهلة المفتوحة) مباشرةً لهذا الإطار التَفاوُضي بخلاف رغبة طهران التي انخرطت في معركة دبلوماسية لإبقاء التهدئة إنجازاً «باسمها» وتالياً ورقةً في جَيْبها على طاولة إسلام آباد.

وإذا كانت الجولةُ الأولى من المحادثات التمهيدية بين لبنان وإسرائيل في 14 أبريل، هي التي شكّلتْ «كاسحةَ الألغام» من أمام «وقف النار 1» ووفّرت «الوقود الصلب» لدبلوماسيةِ هاتفٍ عابرة للقارات قادها الرئيس دونالد ترامب شخصياً (ووزير خارجيته ماركو روبيو) بعد يومين مع كل من الرئيس اللبناني جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فإنّ استيلادَ «وَقْفِ النار 2» تحت مظلّةِ الاجتماع التحضيري الثاني وإعلانه من ضمن «مقرّراتها»، وربما عبر اتصال ثانٍ لسيد البيت الأبيض مع القيادتيْن في كلّ من بيروت وتل أبيب، سيعزّز هذا المَسار الذي يشقّ طريقه بين «أسلاك شائكة» يحاول «حزب الله» أن يحاصر بها عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وبين المفاوضات الأميركية - الإيرانية غير السالكة بعد في اتجاه اتفاقٍ يبقى كأنه ممكن غداً أو... أبداً.

ورغم الاقتناع بأن تمديدَ وقف النار على جبهة إيران الذي أعلنه ترامب، وبدا مفتوحاً ولكن ليس لوقت طويل، يشكل عنصر رفْدٍ لطلب لبنان هذا التمديد (لِما بين 20 و40 يوماً ما لم يكن ممكناً أن تكون بلا مهلة زمنية) وتالياً السيرَ به، فإن «العكسَ صحيح» أيضاً، بمعنى أن صمود الهدنة في «بلاد الأرز» يبقى واقعياً رَهْنَ عدم تَجَدُّد الحرب في «المسرح الأم» وسط التعاطي مع اهتزاز التهدئة في جنوب لبنان في الساعاتِ الماضية على أنه قد يكون في سياقِ محاكاةِ التعقيدات في المَسار الإيراني المفتوح على مختلف الاحتمالاتِ.

وإذ بات مضمون جلسة المفاوضات التمهيدية الثانية معروفاً من جانب لبنان الذي سيحمل إضافة لطلب تمديد الهدنة، وَقْفَ إسرائيل لعمليات الهدم في القرى والبلدات الجنوبية وخصوصاً الواقعة ضمن «الخط الأصفر» الذي «احتجزت» خلفه 59 بلدةً تَعمد إلى «محوها» إما حرقاً أو تدميراً، بما في ذلك مسجد عمره أكثر من 500 سنة في مدينة بنت جبيل حيث رَفَعَ الجيش الإسرائيلي الخميس، العلم في ملعبها الذي ألقى فيه السيد حسن نصرالله قبل 26 عاماً خطاب التحرير متضمناً عبارة «إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت»، فإن شكل هذه الجولة لا يقلّ أهميةً وتعبيراً عن الأولوية التي صار يحتلها الملف اللبناني على أجندة إدارة الرئيس ترامب.

فقد أُعلن أن روبيو الذي شارك في محادثات 14 أبريل الافتتاحية، سيحضر أيضاً الجولة، بعدما كانت تقارير من واشنطن استبعدت ذلك في اليومين الماضييْن، ليكون إلى جانبه في وفد بلاده مستشاره مايكل نيدهام والسفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، وهذه المرة السفير الأميركي لدى تل أبيب مايك هاكابي، على أن يمثّل لبنان وإسرائيل مجدداً سفيراهما لدى واشنطن ندى حمادة معوض ويحيئيل لايتر.

ويَكتسب حضور هاكابي أهمية خاصة، باعتبار أنه من مهنْدسي مَسار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل جنباً إلى جنب مع السفير عيسى -بناء على تعليمات ترامب- وهما كانا عقدا اجتماعاً قبل نحو 3 أشهر في مقر السفارة الأميركية في الأردن وأُعلنت عنه حينها السفارة في بيروت كاشفة أنه «جرى خلاله» سبل دعم مسار السلام وبحث الخطوات المطلوبة لتعزيز الاستقرار والازدهار في المنطقة.

لا تنازل ولا مساومة

وعشية هذه الجولة، حرص عون أمام زواره على تأكيد أهمية هذا المسار، محدداً ما يتطلع إليه لبنان منه ومرتكزاته، كاشفاً أن السفيرة معوض ستطرح في المحادثات «مسألة تمديد مهلة اتفاق وقف النار ووقف إسرائيل عمليات الهدم في القرى والبلدات الجنوبية».

وأكد «أن توجه لبنان في المفاوضات المرتقبة واضح: لا تَنازُل ولا مساومة ولا تسليم إلا لِما يحقق السيادة اللبنانية ومصلحة جميع اللبنانيين»، ولافتاً إلى «أن المفاوضات التي يتم التحضير لها ترتكز على وقف الاعتداءات الإسرائيلية كلياً وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية وعودة الأسرى وانتشار الجيش حتى الحدود الدولية، والبدء بإعادة إعمار ما تهدم خلال هذه الحرب».

وتابع أن «الدعم الأميركي الذي أبلغنا به الرئيس دونالد ترامب إضافة إلى دعم الدول الشقيقة والصديقة، وفرا لنا فرصة لا يجوز أن نضيعها لأنها قد لا تتكرر».

وقال: «عندما اعتمدتُ خيار التفاوض، لأن تجارب الماضي علّمتْنا أن الحروب لا تؤدي إلا إلى القتل والتدمير والتهجير، كنت أعرف أن ثمة مَن سيعترض ويشكك ويطلق الاتهامات، إلا أنني على ثقة بأن هذا الخيار هو الأسلم للبنان وللبنانيين إلى أي جهة انتموا»، موضحاً أنه «على تواصل دائم مع الرئيسين نبيه بري ونواف سلام والنائب السابق وليد جنبلاط وقيادات لبنانية عدة لمواكبة الاتصالات التي يجريها لتثبيت وقف النار وتوفير الأجواء المناسبة التي تحمي خيار لبنان لأن المرحلة الراهنة تتطلب واقعية وحكمة وعقلانية وإدراكاً للواقع اللبناني على أن يلاقي الجميع هذا التوجه للمساهمة في إنهاء معاناة لبنان عموماً وجنوبه خصوصاً الذي شهدت أرضه منذ العام 1969 وحتى اليوم حروباً أفرزت مآسي وعذابات لاتزال تواجه تداعياتها حتى اليوم».

وشدد على «أهمية وحدة الموقف الداخلي»، مؤكداً «أن غالبية القوى السياسية مدركة لدقة المرحلة وتقف بقوة ضد الفتنة وكل ما يسيء إلى السلم الأهلي».

اجتماع أمني

وكان الرئيس اللبناني ترأس اجتماعاً شارك فيه وزيرا الدفاع والداخلية وكبار القادة العسكريين والأمنيين، أعلن خلاله أنّه يجب "التشدد في تطبيق التدابير التي اتخذها مجلس الوزراء في بيروت، وزيادة عديد القوى العسكرية والأمنية المنتشرة في العاصمة ومختلف المناطق اللبنانية والتنسيق بين الأجهزة الأمنية ليأتي عملها متكاملاً بما يحقق مصلحة المواطنين عموماً والنازحين خصوصاً، وأضاف: «يجب التشديد على دهم الأماكن التي تضم مخازن أسلحة في ضوء المعلومات التي ترد إلى الأجهزة المعنية، وعدم التساهل في منع المظاهر المسلحة من أي جهة كانت».

وشدّد على أنّ «من غير المسموح لأيّ كان أن يعرقل تنفيذ الإجراءات الأمنية أو يسيء إلى الاستقرار الأمني لأن المحافظة على السلم الاهلي في هذه المرحلة من تاريخ لبنان خط أحمر».

عدو مشترك

وفي المقابل، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن «لبنان دولة فاشلة تُديرها فعلياً إيران عبر حزب الله ومن هنا نستنتج أن الحزب هو عدو مشترك لإسرائيل ولبنان».

ودعا أمام دبلوماسيين خلال فاعلية لمناسبة «الذكرى الثامنة والسبعين لاستقلال إسرائيل»: «الحكومة اللبنانية لأن تتعاون ضد دولة الإرهاب الذي بناه حزب الله على أراضيكم. وهذا التعاون مطلوب من جانبكم أكثر مما هو مطلوب منا. إنه يتطلب وضوحاً أخلاقياً وشجاعة في المجازفة، لكن لا يوجد بديل حقيقي لضمان مستقبل من السلام لكم ولنا»، موضحاً أن هناك «عدداً من الخلافات البسيطة في شأن مسار الحدود مع لبنان ويمكن حلها».

الميدان الجنوبي

وفي موازاة ذلك، كان الميدان جنوباً يشهد اهتزازاً هو الأكبر لوقف النار مع تكثيف إسرائيل استهدافاتها خارج نطاق «الخط الأصفر» - وهو التعبير الذي لم يَعُدْ الجيش الإسرائيلي يستخدمه في بياناته بل يتحدث عن «منطقة خط الدفاع الأمامي» - وداخله حيث مضى في دومينو التفخيخ والتفجير لأحياء سكنية برمّتها.

وقد استهدف الطيران المسيّر الإسرائيلي سيارة في بلدة يحمر الشقيف، ما أسفر عن سقوط ضحيتين وجريحين، وسط تقارير عن ضحيتين أخريين في وادي الحجير، وذلك بعد ساعات على غارة على أطراف منطقة الجبور في البقاع الغربي سقط فيها ضحية وجريحان.

وفي بلدة الطيري، أسفرت غارة إسرائيلية على سيارة عن سقوط ضحيتين، كما حوصرتْ الصحافيتان آمال خليل وزينب فرج (المصوّرة) في محيط موقع الاستهداف قبل أن يتمكّن الصليبُ الأحمر من إنقاذ فرج التي نُقلت إلى مستشفى تبنين مصابة بجروح متوسطة ليبقى مصير خليل مجهولاً بعد اعتراض إسرائيل فرق الإنقاذ بقنبلة صوتية وإعاقتها دخولها مجدداً لفترة طويلة.

وفي التفاصيل أن خليل وفرج توجهتا بسيارتهما إلى الطيري، المحتلة من إسرائيل حالياً، ورافَقَهما في سيارة أخرى تقدّمتْهما، مختار البلدة علي بزي ومعه محمد حوراني. وفي الطريق، استهدفت مسيّرة سيارة بزي وحوراني اللذين قُتلا، لتهرع بعدها خليل وفرج إلى داخل مبنى مجاور.

وبحسب وسائل إعلام لبنانية فقد قام الطيران الإسرائيلي باستهداف المبنى، كما قطع الطريق الذي يوصل إلى الطيري. ولكن الصليب الأحمر اللبناني وبعد اتصالات شملتْ قوة «اليونيفيل» ولجنة «الميكانيزم» المولجة الإشراف على تطبيق اتفاق وقف النار (أعلن في 27 نوفمبر 2024 وعلّق حرب لبنان الثالثة) تمكّن من الوصول إلى البلدة وانتشل الضحيتين وتمكن من الوصول إلى فرج، من دون أن تكتمل مهمة إنقاذ خليل المصابة، بسبب إلقاء الجيش الإسرائيلي قنبلة صوتية على المكان تهديداً.

وإذ أفيد أن سيارة الصليب الأحمر التي نقلت فرج تعرضت لإطلاق نار وأصيبت برصاصات عدة في طريقها إلى خارج البلدة، دخل الرئيس اللبناني ورئيس الحكومة على خط الاتصالات لضمان دخول الصليب الأحمر مجدداً برفقة الجيش اللبناني للبحث عن خليل ومحاولة إنقاذها من تحت الركام وهو ما بدأ قرابة الثامنة مساءً، علماً أن أفراداً من عائلتها أكدوا أنهم كانوا تواصلوا معها هاتفياً أكثر من مرة قبل أن ينقطع الاتصال بها قرابة الرابعة والنصف من بعد الظهر.

من جهته أكد «حزب الله» في بيان أنه و«رداً على خرق العدوّ الإسرائيليّ لوقف إطلاق النار، واستمرار عدوانه على القرى في جنوب لبنان بالقذائف المدفعيّة»، استهدف «مربض المدفعية المستحدث التابع لجيش العدوّ في بلدة البيّاضة بمحلّقة انقضاضيّة»، وذلك غداة إعلانه وتحت العنوان نفسه قصف «مربض مدفعيّة في مستوطنة كفرجلعادي (شمال إسرائيل) بصليةٍ صاروخيّة وسرب من المسيّرات الانقضاضيّة».

جريح من «حزب الله» سلّم نفسَه إلى إسرائيل حرصاً على سلامة مُسْعفيه

أسعفت عناصر الدفاع المدني اللبناني في مركز رميش جريحاً من «حزب الله» كان قد وصل إلى عين إبل زحفاً من بنت جبيل، قبل أن تتواصل مع الصليب الأحمر اللبناني لنقله إلى منطقة آمنة.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية «أن قوات العدو في دبل علمت بوجود الجريح، فطلبت عبر اتصال هاتفي من المسعفين تسليمه، مهددة بقصف سيارة الإسعاف، إلا أن المسعفين رفضوا ذلك. وبعدها قرر الجريح التوجه سيراً نحو دبل لتسليم نفسه، حرصاً على سلامة المسعفين وأهالي المنطقة، علما أنه كان قد فقد كمية كبيرة من الدم نتيجة إصابته».

وفاة جندي فرنسي ثانٍ من بعثة «اليونيفيل» في لبنان

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وفاة جندي فرنسي ثانٍ من بعثة «اليونيفيل» في لبنان متأثّراً بجروحه التي كان أصيب بها في هجومٍ (السبت الماضي) على دوريةٍ لكتيبة بلاده في منطقة الغندورية جنوباً ما أدى إلى مقتل جندي آخَر وجرْح ثالث.

واتهم ماكرون حينها «حزب الله» بالوقوف وراء الهجوم، فيما أعلن لبنان مباشرة تحقيق في الحادث.

وأعلنت الرئاسة اللبنانية أن «الرئيس العماد جوزاف عون تبلغ نبأ استشهاد الجندي الفرنسي الذي كان في عداد المصابين في حادثة إطلاق النار التي تعرضت لها دورية فرنسية من «اليونيفيل» في بلدة الغندورية قبل ايام»، وجدد إدانته للحادث مكرراً تعازيه إلى الدولة الفرنسية وقيادة القوة الدولة، ومعتبراً أن «الجندي الشهيد انضم مع رفيقه إلى قافلة من شهداء القوات الدولية الذين رووا بدمائهم أرض الجنوب أسوة بكوكبة من شهداء الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية الأخرى».