ما بعد هرمز

21 أبريل 2026 10:00 م

انشغل العالم بضيق الممرات، واتساع العناوين، وغاب عنه اتساع الصورة. مضيق هرمز ليس سوى عدسة مكبّرة لقلقٍ أوسع، لكن الكاميرا الحقيقية تتحرك في مسارٍ آخر: إعادة هندسة الشرق الأوسط بهدوءٍ محسوب، عبر تسويات متزامنة، ومقاربات براغماتية، تتجاوز الضجيج العسكري إلى ما هو أعمق: إعادة تعريف التوازنات.

السؤال الأول الذي يفرض نفسه:

هل نحن أمام لحظة «تسوية شاملة»... أم مجرد تزامن أحداث؟

في الظاهر، تبدو الوقائع متفرقة: اجتماع رباعي (تركي–سعودي–مصري–باكستاني) في تركيا، تحركات تسوية في سوريا ولبنان، مهلة سياسية ضيقة في العراق، تموضع تركي في الصومال، نشاط إسرائيلي في صومال لاند، ومحاولة إعادة ضبط ليبيا عبر دعم ميزانية موحّدة ومناورات مشتركة.

لكن في العمق، هناك خيط ناظم: انتقال من منطق الصراع المفتوح إلى منطق إدارة التنافس.

فالدول التي أنهكها عقدٌ من الفوضى، بدأت تُدرك أن الاستنزاف لم يعد خياراً مربحاً. وهنا تستعاد روح البراغماتية التي تحدّث عنها هنري كيسنجر، حين رأى أن النظام الدولي لا يقوم على القيم وحدها، بل على توازنات قابلة للاستمرار.

في سوريا، لم تعد المعادلة «مَنْ ينتصر؟»، بل «كيف يُدار ما تبقّى؟».

التسوية هناك —إن نضجت— لن تكون انتصار طرف، بل تثبيت خطوط تماس سياسية، تُترجم لاحقاً إلى ترتيبات أمنية واقتصادية.

وفي لبنان، حيث الانهيار المالي يضغط على الجميع، تبدو أي تسوية —حتى مع أطراف متخاصمة— أقرب إلى «ضرورة وجودية» منها إلى خيار سياسي.

أما العراق، فالمهلة القصيرة لتسمية رئيس الوزراء ليست تفصيلاً إجرائياً، بل مؤشر على ضغط إقليمي– دولي لتقليص الفراغ. العراق، لم يعد ساحة مفتوحة كما في السابق؛ هناك رغبة في تحويله إلى عقدة استقرار بدل أن يكون نقطة ارتباك.

في شمال أفريقيا، ليبيا تتحرك نحو صيغة توحيد مالي ومؤسساتي، بدعم أطراف كانت متنافسة.

هنا نرى مفارقة لافتة: خصوم الأمس يرعون معاً إطاراً واحداً. ليس حباً في التوافق، بل إدراك أن الفوضى الليبية تُهدد الجميع دون استثناء.

وفي القرن الأفريقي، تتقاطع المصالح بشكل أكثر وضوحاً.

قاعدة تركية في الصومال، وحضور إسرائيلي في صومال لاند، ليسا حدثين منفصلين، بل تعبير عن تنافس على عقد الممرات البحرية، حيث يلتقي الأمن بالاقتصاد. مَنْ يملك موطئ قدم هناك، يملك تأثيراً على خطوط التجارة العالمية.

السؤال الثاني:

أين تقف القوى الكبرى من هذا المشهد؟

الولايات المتحدة لاتزال تراقب وتُدير من الخلف، متمسكةً بمبدأ «خفض الانخراط المباشر» دون التخلي عن أدوات التأثير.

الصين تتحرك اقتصادياً، تبني نفوذاً عبر الاستثمار لا المواجهة. وروسيا —رغم انشغالاتها تحاول الحفاظ على مواقعها التقليدية، خصوصاً في سوريا.

لكن اللافت أن الفاعلين الإقليميين باتوا أكثر استقلالاً في اتخاذ القرار.

تركيا، السعودية، مصر— كلها تتحرك وفق حسابات وطنية أولاً، ثم تُنسّق حيث تتقاطع المصالح. هذا ما يمكن وصفه بـ«تعددية إقليمية مرنة»، لا محاور صلبة.

هنا نصل إلى السؤال الأهم:

هل هذه التسويات قابلة للاستمرار؟

الجواب ليس بسيطاً.

فالتسويات التي تُبنى على الضرورة قد تصمد، لكنها تظل هشّة إذا لم تُدعّم بمؤسسات وآليات تنفيذ. التاريخ يُذكّرنا —كما في اتفاقية ميونخ— أن التسويات غير المتوازنة قد تؤجل الأزمات بدل أن تحلّها.

لكن الفرق اليوم أن اللاعبين تعلّموا من عقدٍ كامل من الفوضى.

لم يعد الهدف «الانتصار الكامل»، بل منع الخسارة الشاملة.

«أخيراً وليس آخراً»

ما يحدث في الشرق الأوسط ليس هدنة عابرة، ولا سلاماً مكتملاً.

إنه إعادة ضبط بطيئة للإقليم، حيث تتحول الجغرافيا من ساحة صراع إلى شبكة مصالح، وتتحول السياسة من شعارات إلى حسابات.

«هرمز» كان العنوان... لكن القصة تُكتب في أماكن أخرى.

X:Jzabandr