في أروقة الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن، طغت تطورات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران على أحاديث صناع القرار، في ظل تصاعد القلق من تداعيات اقتصادية عالمية قد تمتد لفترة أطول مما كان متوقعاً. وعلى مدار أيام، كشف أكثر من 30 من محافظي البنوك المركزية، ووزراء مالية، وصناع السياسات، أبرز هواجسهم في هذه المرحلة الحساسة، بحسب تقرير موسع لشبكة «CNBC».
وجاءت هذه اللقاءات قبل إعلان طهران، أن مضيق هرمز مفتوح بالكامل أمام الملاحة التجارية خلال وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، ثم عودتها بعد يوم واحد للقول إن المضيق أغلق مجدداً بسبب عدم وفاء الولايات المتحدة بالتزاماتها.
اليقين مفقود
السيناريو الأكثر إثارة للقلق لدى المسؤولين كان احتمال امتداد أمد الحرب. فبينما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب أخيراً إن الصراع قد ينتهي قريباً، سبق أن توقع في مطلع أبريل استمراره لأسبوعين أو 3، وسط رسائل متضاربة من واشنطن وطهران وغموض يلف مصير أي محادثات سلام.
وقال المدير العام لآلية الاستقرار الأوروبية، بيير غرامينيا، إن السؤال لم يعد عمّا إذا كانت الحرب ستؤثر اقتصادياً، بل إنها أثرت بالفعل، مشيراً إلى ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الوقود عالمياً، كما أن عدم اليقين يضغط على كل توقعات المستقبل.
من جانبه، شدد محافظ بنك فرنسا فرانسوا فيليروي دي غالو على أن صناع السياسات لا يمكنهم المراهنة فقط على السيناريو الأفضل، متوقعاً تضخماً أعلى ونمواً أضعف إذا طال أمد الصراع أو ظهرت تداعيات ثانوية تتجاوز قطاع الطاقة. بينما حذرت وزيرة المالية السويدية إليزابيث سفانتيسون من أن الأسوأ قد يكون لم يأت بعد، مع تراجع محتمل في الطلب والنمو العالميين.
الركود التضخمي
وتمثل القلق المشترك بين معظم من تحدثوا إلى «CNBC» في خطر الجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع التضخم. غرامينيا حذر من أنه إذا استمر الصراع أشهراً إضافية، أو جرى إغلاق مضيق هرمز جزئياً، فقد ترتفع معدلات التضخم بأكثر من نقطة مئوية هذا العام، وربما تصل إلى 2.5 % في سيناريو أسوأ، ما قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى ركود تضخمي.
بدوره، وصف وزير المالية اليوناني كيرياكوس بيراك أكيس الوضع بأنه قد يتحول إلى «أكبر أزمة طاقة في التاريخ»، مشيراً إلى أن ثلث تجارة الأسمدة العالمية، إلى جانب الكبريت والهيليوم والبتروكيماويات، تمر عبر هرمز. وأضاف أن تأثير أي اضطراب في الإمدادات قد يصبح أكثر وضوحاً مع وصول الشحنات المتأخرة إلى الأسواق.
وفي الاتجاه نفسه، حذرت وزيرة مالية نيوزيلندا نيكولا ويليس من سيناريو كارثي قد تحتجز فيه شحنات النفط الخام في الشرق الأوسط، ما يهدد آسيا بنقص الإمدادات واستمرار التضخم خارج النطاقات المستهدفة. أما في أوروبا، فدعا وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور إلى تعزيز الاعتماد على الكهرباء والطاقة النووية والمتجددة، مؤكداً أن الأزمة الحالية تبرز الحاجة لمزيد من السيادة والاستقلال في مجال الطاقة.
غموض القرارات
وكانت حالة الضبابية عنواناً آخر بارزاً في أحاديث صناع القرار. وزيرة المالية السويدية أقرت بصعوبة التنبؤ بالمستقبل، فيما شدد أولي رين، محافظ البنك المركزي الفنلندي وعضو مجلس إدارة المركزي الأوروبي، على أن البنك لم يلتزم مسبقاً بأي مسار للفائدة، نظراً لغياب الوضوح بشأن مدة الحرب وأثرها الحقيقي على الإنتاج وسلاسل النقل.
ووصف رئيس «بوندسبنك» الألماني يواخيم ناغل، المشهد بأنه غامض ومشوش، مؤكداً أن البنك المركزي الأوروبي بات يعتمد نهج الاجتماع تلو الآخر. وفي السياق نفسه، قال محافظ بنك سلوفينيا بريموش دولينك إن الحرب تجعل من الصعب تحديد الموقف النقدي المناسب، في ظل نقص المعلومات حول ما إذا كانت صدمة العرض موقتة أم طويلة الأمد.
مرونة الأسواق
ورغم كل هذه المخاوف، أظهرت الأسواق المالية قدراً لافتاً من الصمود. فقد واصلت الأسهم الأميركية تسجيل مستويات قياسية، بينما تراجع مؤشر«MSCI» للأسواق العالمية خارج الولايات المتحدة بنحو 1 % فقط منذ اندلاع الحرب، قبل أن يستعيد أكثر من 8 % خلال شهر.
وقالت رئيسة هيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبية فيرينا روس إن الأسواق عملت بطريقة منظمة حتى الآن، لكن السؤال يبقى حول قدرتها على تحمل تقلبات متزايدة.
وبين التفاؤل الحذر والقلق العميق، يبدو أن صناع السياسات يقفون عند مفترق طرق، حيث باتت القرارات الاقتصادية رهناً بتطورات جيوسياسية سريعة، في عالم تتشابك فيه الطاقة والتضخم والنمو بوتيرة غير مسبوقة.