في بيت تحوّل إلى متحف ومكتبة ووقف علمي، تتكدّس ذاكرة قرون من التاريخ الإسلامي والكويتي، محفوظة بعناية رجل بدأ رحلته بدافع الهواية، وانتهى بصناعة واحدة من أضخم المكتبات الأهلية.
«الراي» زارت «مركز المخطوطات والتراث والوثائق» في منطقة الجابرية، والتقت بصاحبه محمد إبراهيم الشيباني، الذي ذكر لنا بداية قصة إنشاء المتحف التي تعود إلى عام 1987، حين اشترى المنزل بنية جعله وقفاً للبحوث والدراسات. ومنذ ذلك التاريخ، لم يكن البيت مجرد مسكن، بل تحوّل إلى مشروع ثقافي متكامل، يضم اليوم ما يقارب نصف المليون كتاب مطبوع، وأكثر من 400 ألف مخطوطة تغطي مختلف العلوم والفنون، من فقه وحديث وطب وصيدلة، وغيرها.
مخطوطات نادرة
وأشار الشيباني إلى أن «المكتبة تحتوي على أقدم المخطوطات وأندرها، حيث تعود أقدم مخطوطة في المكتبة إلى القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) في الفقه، وقد جُمعت المخطوطات إما أصولاً وإما صوراً، في زمنٍ كان الباحثون يسافرون ويصوّرون بالمايكروفيلم، قبل أن تُتاح اليوم النسخ الرقمية بسهولة»، مؤكداً أن «أغلى وأندر ما يملكه هو عدة طبيب مملوكي من القرن الحادي عشر الميلادي، تضم ما بين 135 و136 أداة للجراحة وصناعة الأدوية، وقد تجاوزت كلفتها 17 ألف دينار. كما تضم المجموعة مصابيح أموية للشمع وقطعاً أثرية أُخرجت من سوريا ووصلت إلى الكويت، إلى جانب محابر علماء من الفضة والنحاس والخشب».
وأوضح أن «المكتبة ليست نتاج شراء فقط، إذ تضم 23 مكتبة أهلية خاصة أُهديت بالكامل، بعد أن رفض أصحابها بيعها وفضّلوا حفظها كوقف علمي»، لافتاً إلى أن «جميع المواد تُفهرس يدوياً منذ وصولها، في عمل يومي دؤوب استمر سنوات».
أرشيف صحافي
وأضاف الشيباني أن «من أبرز أقسام المكتبة الأرشيف الصحافي الكويتي، الذي يحتفظ بنسخ أصلية من الصحف الأولى مثل (الرأي العام) و(الراي) و(السياسة) و(القبس) و(الوطن). والباحثون لا يكتفون بالنسخ المصوّرة، بل يحتاجون إلى الأصل الورقي لما يحمله من تفاصيل لا تنقلها الصور. وكما تحتوي المكتبة على وثائق عثمانية وكويتية نادرة، استُخرجت منها معلومات صححت أخطاءً تاريخية شائعة، ولا سيما في تاريخ القضاء الكويتي وتسلسل القضاة الأوائل، حيث أسهمت الوثيقة في (استنطاق التاريخ) وتصحيح الخلط بين الأسماء والأجيال».
وأشار إلى احتواء المركز على مجسمات للسيارات القديمة والدراجات النارية التي يهواها الشباب.
وقفٌ بـ 5 ملايين دينار
قال محمد الشيباني إنه «رغم عروض الشراء التي جاءتني ووصلت إلى ثلاثة ملايين دينار، رفضت البيع نهائياً بعد تسجيل الوقف رسمياً لدى وزارة العدل»، مؤكداً أن «ما تحتويه المكتبة تبلغ قيمته 5 ملايين دينار، وهي ليست للبيع بل وقف».
مقتنيات بريطانية قديمة
أفاد الشيباني بأن المركز يحتوي على مقتنيات قديمة من بريطانيا تحكي عن تاريخ الكويت، ومنها صور قديمة ومقتنيات من العساكر البريطانيين كالعصي والسيوف المختلفة التي يستخدمها الضباط، إضافة إلى بردة بطول 25 متراً مكتوباً عليها بخط اليد لسياسيين ورجال دولة يباركون للكويت بالتحرير كما تحتوي المكتبة على مجموعة نادرة من الطوابع البريدية التي صدرت بالخطأ في طباعتها.
حجر جبلي قزيم يعود لعصر الصحابة
كشف الشيباني أن «المكتبة تحتوي على مصابيح أموية تُستخدم بالشمع، إضافة إلى طاسة أموية. وهذه القطع أُخرجت من الشام ووصلت الكويت، بالإضافة الى حجر جبلي قزيم يعود إلى عصر الصحابة، وكذلك مجموعة من الأحبار التي كان يستخدمها الكتاب قديماً، بالإضافة الى وجود مصحف للصحابي زيد بن ثابت الذي خطه في طشقند وتم استيراد صورة منه».
أوقات الزيارة
ذكر الشيباني أن «المركز يستقبل الزوار يومياً من 8 صباحاً إلى 12 ظهراً، ومن 4 عصراً إلى 8 مساءً، ما عدا يوم الجمعة، والدخول مجاني للباحثين والمهتمين من داخل الكويت وخارجها»، مؤكداً أنه لا يحفظ هذا الوقف الكتب والمخطوطات فحسب، بل يحفظ ذاكرة وطن، ويؤكد أن المعرفة حين تُحبَس وقفاً، تعيش أطول من أصحابها.
الشيباني... ثروة أدبية
يعتبر محمد الشيباني كاتباً ومؤلفاً ومقتنياً للتحف والآثار من عام 1987، إضافة إلى أنه يحمل شهادة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية، كما أن لديه 150 كتاباً من تأليفه، إضافة إلى تحريره مجلة «تراثنا» التي تهتم بالكتب التاريخية والمخطوطات.