أعلن وقف النار لـ 10 أيام... وسيدعو عون ونتنياهو إلى البيت الأبيض

ترامب قاد دبلوماسية الهاتف مع بيروت وتل أبيب... وكرّس فَصْل مَساريْ لبنان وإيران

16 أبريل 2026 09:30 م

- ترامب أعلن «الأمر لي» على جبهة لبنان
- إسرائيل... ونتنياهو تجرّع وقف النار
- تكليف فانس وروبيو وكين «العمل لتحقيق سلام دائم» وعين ترامب على إطفاء الحرب العاشرة
- عون نجح في تفادي لغم التواصل مع نتنياهو وتلقى اتصالين من ترامب وروبيو
- محادثات البيت الأبيض المرتقبة «أول محادثات سلام جدية بين إسرائيل ولبنان منذ العام 1983»

باغت الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجميع بإعلانه وقف النار بين لبنان وإسرائيل ابتداء من منتصف ليل الخميس - الجمعة ولمدة 10 أيام، معلناً تكليف نائبه جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، إلى جانب رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، «للعمل مع البلدين لتحقيق سلام دائم».

وزفّ ترامب، وقف النار على جبهة لبنان «المنفصلة» عن جبهة إيران في منشور مساء الخميس، على منصته «تروث سوشيال»، إذ كتب: «أجريتُ للتو محادثات ممتازة مع الرئيس اللبناني المحترم جوزف عون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وقد اتفق الزعيمان على بدء وقف نار رسمي لمدة عشرة أيام، ابتداءً من الساعة الخامسة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، وذلك لتحقيق السلام بين بلديهما».

وأضاف: «يوم الثلاثاء، اجتمع البلدان للمرة الأولى منذ 34 عاماً هنا في واشنطن العاصمة، بحضور وزير الخارجية العظيم روبيو. وقد وجّهتُ فانس وروبيو، إلى جانب كين، للعمل مع إسرائيل ولبنان لتحقيق سلام دائم. وقد كان لي شرف حلّ تسع حروب حول العالم، وهذه ستكون العاشرة، فلنُنجزها!».

وأكد ترامب، أيضاً أنه سيدعو نتنياهو وعون إلى البيت الأبيض لإجراء أول محادثات سلام جدية بين إسرائيل ولبنان منذ العام 1983.

وجاء هذا الاختراق الدبلوماسي والعسكري الكبير على جبهة لبنان التي أشعلها «حزب الله» في 2 مارس الماضي تحت عنوان «ثأراً للمرشد علي خامنئي»، وذلك بعد يوم ماراثوني وعاصف في بيروت انطبع بمشهديةِ: سيحصل الاتصالُ بين عون ونتنياهو، لن يحصل... قد يحصل قريباً، وربما لن يحصل أبداً... وهل الحوارُ الهاتفي البارز الذي جرى بين الرئيسين الأميركي واللبناني قبيل إعلان وقف النار بديلٌ عن التواصل «غير السالك» على خطّ عون - نتنياهو، أو تَحضير له؟

هكذا كانت بيروت وهي تُمْسِكُ ليس بـ «زهرة أقحوانٍ» تتنقّل بين أوراقها بَحْثاً عن جوابٍ عن سؤالٍ فَرَضَه الإعلانُ المباغت من ترامب، عن محادثةٍ حَدّد موعدها (الخميس) بين «زعيميْ لبنان وإسرائيل» قبل أن يطّل الرئيس الأميركي «على الخطّ» مع عون عصراً، بل وكأن بين يديْها لغماً أَنْذَرَ بأن يفجّر الوضع الداخلي في معرض عمليةٍ شديدة الحساسية لبلوغ وَقْفِ نارٍ على جبهتها (كان منتظراً إعلانه خلال ساعات)، هو واقعياً مربوطٌ في توقيت الدفْع إليه بمسار الحرب مع إيران ومحاولاتِ الوصول إلى اتفاقٍ دائمٍ ولكنه في الوقت نفسه مُنْفَصِل عنه كما عن الهدنة المُعْلَنة على «الجبهة الأم».

فبينما كان لبنان «يسير على رؤوس الأصابع» في مَسارِ المفاوضات المباشرة مع إسرائيل التي رَعَتْ واشنطن محادثاتها التمهيدية الثلاثاء، واعتُبرت بمثابة شقّ طريقِ الفَصْلِ الدبلوماسي بعد العَسكري بين المساريْن اللبناني والإيراني، وعلى وَقْعِ الانشدادِ الذي سادَ لإمكانِ نجاحِ الضغوط الأميركية في جَعْلِ نتنياهو، يُلاقي بيروت في منتصف الطريق عبر إعلان وَقْفِ نارٍ، وجدتْ «بلاد الأرز» نفسَها في مرمى إعلانٍ غير متوقَّع تولّاه شخصياً ترامب، حامِل لقب The Unpredictable، وسرعان ما تَرَكَ ارتداداتٍ على أكثر من مستوى، بدأت بإرباكٍ رسمي تحوّل تباعاً ثباتاً على خيار أن الظروف غير متوافرة ولا مؤاتية لحصول أول «ألو بيروت» من تل أبيب أو معها سيكون عملياً بمثابة «تَجَرُّع للسم».

محادثة لم تحصل

فمن على «تروث سوشيال» كتب ترامب، الأربعاء، أنه يسعى إلى إيجاد «متنفّس موقت»، مضيفاً «مرّ وَقْتٌ طويل منذ أن تحدّث زعيما البلدين، نحو 34 عاماً. وسيَحدث ذلك غداً (الخميس)».

وإذ اشتعلتْ التحرياتُ في بيروت حول هل رئيس الجمهورية في أجواء الاتصال المفترَض مع نتنياهو، وهل سيقوم بهذه الخطوةِ غير المسبوقة التي تُوازي اختصارَ «ألف ميل في اتصالٍ» وكان يُخشى أن تصبّ الزيتَ فوق نار الاحتقان الداخلي وتُطْلِقَ مساراً من التراجعات اللبنانية أمام إسرائيل من دون أن تكون الأخيرة قدّمت شيئاً للبنان - الدولة، تلاشَتْ احتمالاتُ حصول هذا «الخرق» ما فوق عادي مع كشف أن عون، أبلغ واشنطن عبر السفارة اللبنانية لديها بأنه يرفض إتمام المكالمة، قبل أن يُعلن أن اتصالاً حَصَلَ بينه وبين روبيو، الذي كان يُراد أن يكون، كما في محادثات الثلاثاء التي استضافها (على مستوى سفيري لبنان وإسرائيل)، الوسيط في المحادثة الثلاثية التي لم تحصل بين عون ونتنياهو.

وعلى وقع أجواء أن إسرائيل تقترب من إعلان وقف النار على جبهة لبنان، كانت المفاجأةُ في أولى ساعات المساء بحصول اتصال فائق الأهمية بين ترامب وعون، الذي أفيد بأنه رَفَضَ الحديث مع نتنياهو لأنه لم يحصل على ضمانات بوقف النار.

وفي المعلومات الرسمية التي وزّعها القصر الجمهوري عن اتصال عون وترامب، الذي كُشف أنه أجرى قبل المحادثات مع الرئيس اللبناني، مكالمة مع نتنياهو، أنه «تم اتصال هاتفي بعد ظهر الخميس، بين الرئيس الاميركي والرئيس اللبناني جدد خلاله عون شُكره للجهود التي يبذلها ترامب، من أجل التوصل إلى وقف نار في لبنان وتأمين السلم والاستقرار في شكل دائم تمهيداً لتحقيق العملية السلمية في المنطقة، وتمنّى عليه استمرار هذه الجهود لوقف النار بأسرع وقت. وردّ ترامب، بدعمه للرئيس عون، ولبنان وتشديده على التزامه تلبية الطلب اللبناني بوقف النار في أسرع وقت».

وأفادت تقارير بأنّ ترامب، أبلغ إلى عون، عن إعلان وقف النار خلال ساعات، وذلك عقب تقرير لصحيفة «هآرتس» تحدّث عن إعلان دخول وقف النار حيّز التنفيذ ليلاً.

وبدا ارتقاء الملف اللبناني على سلّم الاهتمام الأميركي ليصل إلى البيت الابيض وترامب، شخصياً، تأكيداً على جدية واشنطن في رعاية مسارِ تفاوض لبناني - إسرائيلي بين دولتين، وبمعزل عن التأثير الإيراني على أوراق بيروت وخياراتها، يُنهي الحربِ في شكل دائم وعلى قاعدة سلام ونزْع سلاح «حزب الله»، وفي الوقت نفسه تم التعاطي مع إصرار الرئيس الأميركي على حصول وَقْفِ النار سريعاً على أنه من مقتضياتِ تَسهيل مَهمة بلوغ حلٍّ على جبهة إيران التي رفعت شعار «وحدة الجبهات» في الهدنة و«لبنان روح إيران»، ولكن من دون أن تمرّ هدنة لبنان بطهران ولا أن يشكّل ملفّه خصوصاً سلاح الحزب ورقةً على طاولة إسلام آباد بما كان سيساعد الجمهورية الإسلامية على المضي في سياسة «الدفع من جيب سواها».

ولم تكن عابرة في هذا السياق صورة ترامب (الأربعاء) وهو يتوسط في البيت الأبيض روبيو، والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، حيث «أكّدوا التزامهم المحادثات الجارية وجهود السفارة في بيروت لدعم لبنان في حصر السلاح بيد الدولة واستعادة السيادة»، كما جاء في منشور للسفارة على منصة «إكس».

وفي الإطار نفسه، اعتُبرت محاولة تنظيم اتصال بين عون ونتنياهو، برعاية أميركية في سياقِ توفير «تخريجة» لرئيس الوزراء تساعده على تمرير وقف نارٍ لا يريده ويُقابَل في تل أبيب باعتراضٍ واسع جداً وبمكبرات الصوت، وهي التخريجة التي تَدارَكَ لبنان أن تتحوّل «توريطاً» له في خطوة مجانية تجاه تل أبيب (قبل أقله وقف النار) كان من شأنها أن تزيد من منسوب الغليان لدى حزب الله وبيئته والذي بلغ حدّ صدور مواقف من قادة فيه اعتبرت التفاوض المباشر «سقطة من شاهق» ونشْر تهديداتٍ بلا قفازات لرئيسيْ الجمهورية والحكومة (نواف سلام).

وكان عون، شكر روبيو، خلال الاتصال بينهما على «الجهود التي تقوم بها واشنطن من أجل التوصل لوقف النار ودعمها على المستويات كافة»، فيما أكد الوزير الأميركي «استمراره بالمساعي القائمة للوصول إلى وقف النار تمهيدا لاحلال السلام والأمن والاستقرار في لبنان»، مشدداً على دعمه وتقديره لمواقف الرئيس اللبناني.

طهرن على الخط

وفيما كانت خيوط وَقْفِ النار تُحْبَك، بعد نهار أميركي - لبناني، ولبناني - لبناني، شهد اتصالاتٍ شملتْ رئيس البرلمان نبيه بري، الذي نصح عون، برفض قبول الاتصال من نتنياهو، أمعنت طهران في تظهير أنها لم تيأس من محاولة «تبنّي أبوة» أي وقف نار على جبهة «بلاد الأرز»، وهو ما عبّر عنه رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، بمنشور كتب فيه «ان استكمال وترسيخَ وقف نارٍ شاملٍ في لبنان سيكون نتيجةَ صمود ونضال حزب الله العزيز وبطولاته، ووحدةِ محور المقاومة. وعلى الولايات المتحدة أن تلتزم الاتفاق. إنَّ المقاومةَ وإيران كيانٌ واحد، سواء في الحرب أو في وقف النار. على أميركا أن تتراجع عن خطأ«إسرائيل أوّلاً».

وغداة هذا المنشور اتصل قاليباف ببري، وجرى تداول آخر تطورات الأوضاع في المنطقة ولبنان«ولا سيما في الجنوب حيث إن العدوان الإسرائيلي المتواصل يجري كما جرى في قطاع غزة»، وتم تأكيد «وجوب أن يشمل وقف النار لبنان قبل أي أمر آخَر».

تدمير جسر القاسمية

في موازاة ذلك، وعلى وقع تقرير لصحيفة «يديعوت أحرونوت» أوردت فيه أن «الجيش الإسرائيلي وضع ثلاثة شروط لأي اتفاق مع لبنان تشمل منطقة عازلة حتى الليطاني، والحفاظ على حرية العمل ومسار طويل الأمد لنزع سلاح حزب الله برقابة أميركية»، وفيما كان نتنياهو يُجري اجتماعاً مسائياً عبر الهاتف لمجلس الوزراء الأمني المصغر، شهد الميدان في الساعات الفاصلة عن الهدنة المفترَضة التهاباً على المقلبيْن.

فعلى وقع هجمات صاروخية هي من الأكثر كثافة نفذها الحزب على شمال إسرائيل وعكست محاولة لإعلان أن «الطلقة الأقوى» في الميدان كانت له، أغرقت إسرائيل جنوب لبنان وعشرات القرى فيه بطوفان غارات تجاوزت إحدى دفعاتها 50 غارة في ساعتين، وسط تَرَكُّز مسار التوغل البري على مدينتيْ الخيام وبنت جبيل في إطار سعي لتحقيق إنجاز عسكري يَضمن لها شريطاً عازلاً متصلاً من الناقورة إلى شبعا وبعمق يراوح بين 4 و8 كيلومترات تريده أن يشكّل ورقة الضغط الأقوى في المفاوضات التي ستُستأنف الاسبوع المقبل مع لبنان في واشنطن وقد يتبدّل المسرح الأوسع الذي تجري عليه سواء تم التوصل إلى تفاهم على جبهة إيران أو لا.

وكانت إسرائيل استهدفتْ نهاراً جسر القاسمية البحري - صور ودمّرته، ما أدى إلى عزلٍ كامل لجنوب الليطاني عن بقية مناطق لبنان.