من الهيليوم إلى الذكاء الاصطناعي

كيف يتحكم الخليج في مستقبل إنتاج العالم... صناعياً؟

15 أبريل 2026 10:00 م

- تحوّل مسارات الشحن البحري يرفع تكاليف السلع ويُهدّد تعافي قطاعات الإنتاج في أوروبا
- الشرق الأوسط يتحكم في ربع احتياجات العالم من اللدائن وثلث صادرات الأسمدة
- صادرات الألمنيوم الخليجية تغطي 15 في المئة من احتياجات العالم وقطاع السيارات الأوروبي
- تأثيرات الحرب تُهدّد القدرة الشرائية لملايين الأسر في أوروبا

أصدر قسم الأبحاث في بنك كايكسا الإسباني، تقريراً تناول تداعيات الحرب الإقليمية الأخيرة على الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن سلاسل الإمداد الدولية تعرضت لهزة جديدة في أعقاب تصاعد الصراع الراهن.

وفي ظل الغموض المحيط بمدى حدة هذه الصدمة وآفاق استمرارها، يرجّح أن تمثل هذه التطورات أكبر اضطراب يصيب التجارة العالمية منذ جائحة «كوفيد-19».

وأوضح التقرير أن الشرق الأوسط، إلى جانب كونه من أبرز المنتجين العالميين للنفط والغاز ومشتقاتهما الكيميائية، يتمتع بموقع جغرافي محوري لحركة الشحن البحري ونقل الركاب جواً بين أوروبا وآسيا. ويترتب على ذلك أن ارتفاع تكاليف المدخلات ونقص الإمدادات الحيوية يعيدان الضغوط إلى الواجهة بالنسبة للقطاع الإنتاجي العالمي، الذي لم يبدأ، في الحالة الأوروبية، إلا أخيراً بالتعافي من تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا، وتمتد هذه الضغوط في نهاية المطاف إلى الأسر عبر احتمالات تآكل قدرتها الشرائية.

وأشار إلى أن آسيا تمثل الوجهة الرئيسية لصادرات النفط والغاز من الشرق الأوسط، في حين يظل الاعتماد المباشر في أوروبا أقل نسبياً، وإن كان لايزال مهماً لبعض الدول. غير أن الطبيعة العالمية لأسواق السلع الأساسية تؤدي إلى انتقال أثر الصدمة إلى اقتصادات تستورد الطاقة من خارج منطقة النزاع، بل وحتى إلى مناطق تتمتع بإمدادات كافية مثل أميركا الشمالية. ونتيجة لذلك، تواجه الشركات كثيفة الاستخدام للطاقة حول العالم ارتفاعاً في تكاليف الإنتاج، لاسيما في قطاعات تكرير النفط وتوليد الكهرباء، والصناعات الكيميائية والمعدنية، وخدمات النقل، ومواد البناء، والزراعة.

ويضيف التقرير أن تأثيرات الصدمة لا تقتصر على هذه القطاعات المباشرة، بل تمتد عبر قنوات غير مباشرة من خلال المنتجات المشتقة، إذ إن بعض هذه المنتجات، مثل الأسمدة في المراحل الأولى من سلسلة القيمة الغذائية، يظل تأثيره محدود النطاق نسبياً، في حين تمثل منتجات أخرى مدخلات وسيطة أساسية لقطاعات صناعية متعددة، مثل البلاستيك والمعادن في صناعة السيارات. كما توجد منتجات ذات تأثير واسع، في مقدمتها الكهرباء، التي تُعد مدخلاً حيوياً لغالبية الأنشطة الاقتصادية، لاسيما لمراكز البيانات المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وفي السياق الأوروبي، أفاد التقرير بأن الاتحاد الأوروبي نجح السنوات الأخيرة في خفض كثافة استهلاك الطاقة، كما كثّف جهوده لتنويع مصادرها عقب الغزو الروسي لأوكرانيا. ومع ذلك، لايزال يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتلبية احتياجاته من الطاقة الأولية. وإلى جانب ذلك، تتزامن زيادة مساهمة مصادر الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء مع استمرار نظام التسعير الهامشي، الذي تبقى فيه الوقود الأحفورية عموماً، والغاز خصوصاً، عاملاً حاسماً في تحديد الأسعار، وهو ما يعني بقاء درجة انكشاف أوروبا على تقلبات أسواق الطاقة العالمية مرتفعة.

وتُعزى الفروق بين الدول أساساً إلى هياكلها الإنتاجية ومدى اعتمادها على القطاعات كثيفة الطاقة؛ إذ تُعد أوروبا الشرقية الأكثر تعرضاً نسبياً، مع تصدّر بولندا وسلوفاكيا وليتوانيا، بينما تسجل ألمانيا أعلى كثافة طاقية بين الاقتصادات الكبرى، في حين تسجل فرنسا أدناها.

الأهمية الجيواقتصادية

ولا تقتصر الأهمية الاقتصادية للشرق الأوسط على أسواق النفط والغاز، رغم أنها تمثل القناة الأكثر وضوحاً لتأثير الحرب على المدى القصير. إذ إن دولاً مثل السعودية وقطر والإمارات تُعد منتجين ومصدرين بارزين لسلع غير طاقوية، لاسيما في الصناعات الكيميائية والمعدنية. وتشمل هذه السلع مدخلات أساسية لإنتاج الأسمدة، مثل اليوريا، حيث تمثل صادرات المنطقة نحو ثلث الإجمالي العالمي، وتعتمد عليها بدرجة كبيرة كل من الهند والبرازيل. كما توافر المنطقة مواد أولية رئيسية لصناعة طيف واسع من المنتجات البلاستيكية، مثل الإيثيلين غلايكول والبولي إيثيلين والبولي بروبيلين، التي تتجاوز حصتها ربع السوق العالمية، وتُعد آسيا المستورد الأكبر لها.

كذلك يُعد الهيليوم، وهو غاز نبيل حيوي لصناعة أشباه الموصلات، من الموارد التي تحتل فيها المنطقة موقعاً محورياً، مع اعتماد ملحوظ من جانب تايوان. ومن الأمثلة الأخرى الألمنيوم وسبائكه، التي تمثل نحو 15 في المئة من السوق العالمية، وتُستخدم في الصناعات المعدنية وقطاع السيارات والبناء والآلات، وتُعد أوروبا من أبرز مستورديها.

وعلاوة على ذلك، يشكّل الشرق الأوسط محوراً إستراتيجياً في شبكة العلاقات الاقتصادية بين أوروبا وآسيا. فإلى جانب الدور الحيوي لمضيق هرمز كمسار رئيسي لصادرات النفط والغاز، تضم المنطقة أيضاً قناة السويس، إحدى أهم نقاط الاختناق في حركة التجارة البحرية العالمية. وقد تعرض هذا المسار لضغوط كبيرة منذ أواخر 2023 نتيجة الهجمات في البحر الأحمر قرب مضيق باب المندب، ما أدى إلى تراجع حركة الملاحة عبره بنحو 50 في المئة، وإطالة مسارات الشحن إلى أوروبا بنحو 6500 كيلومتر وزيادة زمن الرحلات بين 10 و15 يوماً، عبر تحويلها حول رأس الرجاء الصالح.

وانعكس ذلك في تأخيرات ملحوظة في تسليم الشحنات وارتفاع تكاليف النقل، خصوصاً للسلع منخفضة القيمة للوحدة، مثل الحبوب والأسمدة والسلع المصنعة الأساسية كالأثاث والمنسوجات والألعاب. ومن المرجح أن تتفاقم هذه الضغوط مع اتساع نطاق النزاع، علماً بأن الاتحاد الأوروبي يعتمد بدرجة كبيرة على الصين في المعادن الحيوية لصناعات السيارات والتكنولوجيا، فضلاً عن الإلكترونيات الاستهلاكية والمعدات الكهربائية.

وأخيراً، يبرز الدور الذي تؤديه كل من دبي والدوحة كمراكز طيران دولية محورية، فإلى جانب كونهما نقاط وصل رئيسية بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، عززت المنطقة مكانتها كوجهة سياحية وتجارية من خلال استضافة فعاليات دولية كبرى ومؤتمرات متخصصة، إلى جانب تطوير ملحوظ في البنية التحتية الفندقية والترفيهية. وفي 2024، استقبل مطار دبي، ثاني أكثر مطارات العالم ازدحاماً والأول عالمياً في حركة النقل الدولي، نحو 92 مليون مسافر، فيما اقترب عدد المسافرين عبر مطار الدوحة من 53 مليوناً. وقد يؤدي تصاعد النزاع في إيران واستمراره إلى إعادة توجيه حركة الطيران والمسافرين نحو وجهات بديلة، بما قد يعود بالنفع على أوروبا، كما حدث خلال أحداث الربيع العربي 2010، وأخيراً عقب النزاعات في إسرائيل.