«قبل جزء من الثانية من إدراكك أنك قد اتخذت قراراً، يكون دماغك قد بدأ بالفعل في اعتناقه وتنفيذه».
هذا هو الاستنتاج المذهل الذي خلصت إليه دراسة جديدة نُشرت في مجلة «نيتشر نيوروساينس»، حيث تمكن العلماء للمرة الأولى من تتبع «عملية دماغية عالمية» تحدث في جميع القرارات، بدءاً من اختيار شاي أو قهوة وصولاً إلى قرارات أخلاقية معقدة.
واستخدم فريق الباحثين من جامعتي هارفارد وكامبريدج تقنية تصوير عصبي فائقة السرعة لمراقبة نشاط قشرة الفص الجبهي، وهي المنطقة المسؤولة عن التخطيط واتخاذ القرار. وأظهرت النتائج أن نمطاً مميزاً من الموجات الكهربائية (يسمى موجة الإعداد القبلي) يظهر قبل 0.3 إلى 0.7 ثانية من أن يصبح الشخص واعياً بقراره.
وشرحت الدراسة أربع مراحل متتالية لعملية القرار، وهي:
• المرحلة الأولى (الإعداد غير الواعي): ينشط الدماغ شبكات الذاكرة العاملة، ويحضر الخيارات المحتملة. هذه المرحلة لا يدركها الشخص إطلاقاً.
• المرحلة الثانية (الترجيح): تقوم مناطق المكافأة في الدماغ (النواة المتكئة) بتقييم القيمة المتوقعة لكل خيار، وتصدر إشارة تفضيل خفية.
• المرحلة الثالثة (اللحظة الصفرية): في هذه النقطة، يصبح القرار محسوماً على المستوى العصبي، لكن وعي الشخص به لم يظهر بعد.
• المرحلة الرابعة (التبرير الواعي): بعد نحو 0.5 ثانية، يخلق الدماغ شعوراً بـ«الإرادة الحرة» ويصوغ سرداً يفسر لماذا اتخذ هذا القرار.
وأوضح المؤلف الرئيسي الدكتور آدم كوبر أن هذه النتائج لا تعني بالضرورة أن البشر مجرد آلات بيولوجية. وأضاف: «نعم، هناك عملية آلية تسبق الوعي، لكن الوعي يلعب دوراً في تثبيط القرارات أو تعديلها بعد ظهورها الأولي. يمكننا أن نقول لا لإشارة الدماغ الأولى». وأشار إلى أن مرحلة «الترجيح» تتأثر بشدة بالتجارب السابقة والقيم الأخلاقية والتدريب المعرفي.
لكن الفلاسفة وعلماء اللاهوت دخلوا على خط الجدل. ورأى البروفيسور دانيال دينيت أن الدراسة تقدم دعماً قوياً للحتمية العصبية (neurodeterminism)، بينما اعتبرها الفيلسوف الأخلاقي توماس ناغل مجرد وصف للآلية وليس إلغاء للحرية بالمعنى الفلسفي. كما أثارت الدراسة مخاوف قانونية: هل يمكن استخدام هذا النمط العصبي كدليل في المحاكم لتبرئة المتهمين بدعوى أن دماغهم «قرر» قبل أن يعوا؟
تجدر الإشارة إلى أن الباحثين شددوا على أن دراستهم لا تدعم فكرة «عدم المسؤولية». فالقرار الواعي، حتى لو جاء متأخراً، لايزال يعكس شخصية الفرد ورغباته المستمرة.
وخلص كوبر إلى القول: «أنت لست عبداً لدماغك. الدماغ هو أنت. وعيك المتأخر هو جزء أصيل من عملية اتخاذ القرار، وليس مجرد راكب ثانوي».