نعيش في الكويت ظروفاً صعبة إلى حدّ كبير. وفي الظروف الصعبة نحتاج، أول ما نحتاج إليه، إلى تغليب العقل على العاطفة، وإلى رباطة الجأش، وإلى تفعيل كلّ أدوات التفكير والحكمة والهدوء والاعتدال بدل ردود الفعل السريعة والحماسة والانفعال والتطرّف. والأهمّ أن نلتفّ بصدق وقناعة حول قيادتنا ومُؤسّسات الدولة للخروج من هذا النفق بأقلّ قدر من الخسائر... مُتوازنين مُتماسكين.
هذا الاستهلال يدفعنا للقول إن هناك حرباً دولية إقليميّة دارت وتدور. أصابت بيتنا الكويتي وبيوت أشقائنا في الخليج بخسائر كبيرة من شهداء، أحياء عند ربهم، وأدّت إلى أضرار مادية وبشرية استهدفت منشآت حيوية تعتبر من شرايين الحياة.
وهذا الاستهلال أيضاً يدفعنا إلى تسمية الأمور بمسمّياتها، فهناك اعتداء إيراني آثم على الكويت ودول الخليج، ومهما كانت مُبرّرات هذا الاعتداء فهي أوهن من بيت العنكبوت.
في ظلّ العاصفة التي تلفّ المنطقة ونحن في القلب منها، أبلت قواتنا المسلحة بلاءً لا نظير له في التصدّي والتضحية والفداء حمايةً للكويت وأهلها والمُقيمين فيها على اختلاف جنسياتهم. وبذلت القوى الأمنية جُهداً غير مسبوق في حماية الجبهة الداخلية ومن ذلك رصد العين الساهرة لخلايا مُتعاطفة ومُتعاونة ومُتورّطة مع النظام الإيراني وضبطها والتحقيق معها.
حتى هنا، كلّ شيء يسير وفق المنطق الطبيعي للأمور وتقوم مُؤسّسات الدولة بدورها في الحفاظ على الأمن والاستقرار وتطبيق القانون. ما هو غير طبيعي ومُستنكر – وليسمح لي البعض بذلك – خروج ردود فعل طائفية ومذهبية، مُتحمّسة ومُتطرّفة، تسقط الفعل الشخصي للأفراد على طائفة أو مذهب أو مجموعـة فتُخرج الموضوع من سياق انحراف فرد إلى تخوين الجماعات الأهلية والعياذ بالله.
الشيعة من مُكوّنات الكويت الأساسية، بنوا مع إخوانهم هذه الدولة حجراً فوق حجر قبل ظهور نظام الجمهورية الإسلامية في إيران بمئات السنين. هم جزء أساسي من العهد والعقد والبيعة لنظامنا، وقوة دفع في مُحرّك التحوّل التاريخي إلى الدولة اجتماعياً واقتصادياً وتجارياً. عشنا معاً وصمدنا معاً في كلّ المحن والظروف، وخضنا معاً حروب مُواجهة تحدّيات البحر والبيئة والأمراض والغزوات، وسطّرنا معاً أبلغ الملاحم في تحرير الكويت من عراق صدام حسين... وأعدنا معاً بناء دولة ما بعد الغزو.
إذا تجاوز شيعي القانون وكان عضواً في خليّة تدعم نظاماً يعتدي على الكويت فهل من مُبرّر لاعتبار أن الشيعة تجاوزوا القانون؟ إذا تجاوز سنّي القانون وانضمّ إلى داعش والقاعدة فهل نقول إن السنة مع داعش والقاعدة؟ إذا ارتكب وافد جريمة قتل أو سرقة فهل يعني ذلك الدعوة إلى طرد جميع الوافدين؟ ألم يُعلّمنا ديننا ألا تزر وازرة وزر أخرى؟ ثم ألا تحمل النفس أوزارها فقط؟
ليتوقّف بعضُنا عن فتح مُختبرات لفحص «وطنية» هذا وذاك. في كلّ دول العالم هناك مُواطنون ومُقيمون، وعلاقة هؤلاء بالدولة ومُؤسّساتها يُحدّدها القانون، فمن تجاوز القانون إنما فعل ذلك لانحراف في السلوك وليس لأنه من دين مُعيّن أو مذهب بعينه.
التطرّف، الخطأ، الانحراف، الشواذ، الاتجاهات العنيفة، التجاوزات... كلّها وغيرها موجودة في كلّ مكان وزمان وعند الجميع. هذا مُخطئ وهذا مُنحرف وهذا شاذّ وهذا مُتجاوز وهذا مُتطرّف. أما إسقاط هذه العناصر على المجموعات الأهلية والطائفية فقد يكون هو الانحراف بعينه، وخُطوة غير مسؤولة انعكاساتها السلبية خطيرة على الدولة والمجتمع... ولنكن أكثر وضوحاً: مُقابل كلّ شيعي عليه قضية ما هناك آلاف المُواطنين الشيعة المُلتزمين سيادة وقانون وقضايا وطنهم. ومُقابل كلّ سنّي عليه قضية هناك آلاف المُواطنين السنّة المُلتزمين سيادة وقانون وقضايا وطنهم.
ما يجري من «هوس» لدى البعض بتحميل طائفة وزر أفراد، يدفعنا اليوم وليس غداً إلى المُطالبة السريعة بأن يتصدّر العقلاء من كلّ الاتجاهات المشاهد السياسية والإعلامية والتوعويّة وعدم السماح لأصحاب «الرؤوس الحامية» بقيادة هذه المشاهد ولا حتى بالاستمرار في طريقهم وما يحمل من سلبيّات. وعندما نتحدّث عن تصدّر العقلاء فهذا يعني تسهيل مُهمّتهم لإبراز أصواتهم في مُختلف المنابر والمواقع الرسمية والأهلية.
ليت الجميع يدركون أن الكويت هي الثابت الوحيد والأول والأساسي بشعبها وتكويناته الطائفية وتلويناته الاجتماعية وليس بانحرافات البعض وأصوات النشاز المُصاحبة لها. وعلى المُتصيّدين في الماء العكر سواء عن قصد أو غيره، أن يستوعبوا بدقّة معنى أن يقول صاحب السمو أمير البلاد ورمز الدولة وقائدها إن القانون يُطبّق على الجميع، وأن يقفوا طويلاً عند شمول المُحاسبة أبناء الأسرة الحاكمة قبل غيرهم حيث سُجن بعضهم فيما المُحاكمات قائمة بحق آخرين.
وأبلغ ما يُمكن ختم المقال به كلمات صاحب السمو الشيخ مشعل الأحمد الذي وجّه «أن نكون صفّاً واحداً نحمي الكويت وأهلها من كلّ مكروه وسوء مُتسلّحين بالتعاضُد والتعاون والتكاتُف. نمدّ لكم يد العون والنصح والإرشاد حاملين لواء احترام القانون وتطبيقه حازمين في التصدّي لكلّ مُحاولات شقّ الوحدة الوطنية مُستذكرين أن الكويت هي الأمانة والبقاء والوجود».
صدقت يا صاحب السمو... الكويت هي الأمانة والبقاء والوجود.