‏ما بين جارين

11 أبريل 2026 10:00 م

في جغرافيا السياسة لا تختار الدول جيرانها لكنها تختار كيفية التعامل معهم، تقع بلادنا في واحدة من أكثر البيئات الإقليمية حساسية، بين العراق وإيران، وهما دولتان تحملان تاريخاً معقداً من التوترات والتحولات، دولة تعاني من هشاشة داخلية منذ عام 2003 أفرزها نظام محاصصة أوجد دولة شبه مشلولة أو غير قادرة على ممارسة دورها وضبط توازنها الداخلي، ولعل خير مثال ما تعانيه اليوم من تجاذب حول رئاسة وزرائها، ونتج عن هذا النظام صعود قوى مسلحة غير خاضعة لسلطة الدولة ترتبط ارتباطاً أيديولوجياً وسياسياً وثيقاً بإيران، والتي استفادت من الفراغ الأمني والسياسي في العراق.

هذا النموذج من «تعدد مراكز القوة» لا يمثل فقط تحدياً داخلياً للعراق بل يمتد أثره إلى جواره حيث تصبح الحدود أقل انضباطاً، والقرارات السيادية أكثر تعقيداً.

ومن جانب آخر، طورت إيران خلال العقود الماضية إستراتيجية نفوذ إقليمي قائمة على بناء شبكات من الحلفاء والوكلاء كحزب الله والحوثيين. ولذلك لم يعد خافياً للعيان النوايا الإيرانية التوسعية بانتهاج سياسة الحروب بالوكالة وإذكاء النعرات، وكم أشرنا من قبل بأن المشروع الإيراني مشروع سياسي توسعي، وكما هو مشروع إسرائيل الكبرى فهنا مشروع إيران الكبرى فكلاهما وجهان لعملةٍ واحدة.

‏ما بين «ناري هذين الجارين» لا تواجه الكويت تهديداً تقليدياً يمكن احتواؤه بإجراءات تقليدية، بل بيئة معقدة تتداخل فيها عوامل الدولة واللادولة، القرب الجغرافي والتأثير غير المباشر. وبين هذا وذاك، تبقى القدرة على قراءة التحولات بواقعية ومن دون انفعال، وصياغة سياسات ثابتة من دبلوماسية نشطة محورها تعزيز التكامل الخليجي لكى لا تبقى كل دولة من دول المجلس منفردة في مواجهة التحديات العابرة للحدود، وتعزيز الشراكات الدولية والتماسك الداخلي، والكويت لديها تجربة الغزو العراقي الغاشم عام 1990، والتي تعد نقطة مفصلية في الوعي السياسي.