قيم ومبادئ

إيران والوجاهة المكذوبة!

11 أبريل 2026 10:00 م

لا أُريد أن أدّعي أنني أتنبأ بما يحدث بعد سنوات، ولكن أريد أن أقول إن البدهيات ظاهرة لمن يلتفت إليها...

فليس من حُسن السياسة ولا مما يتوافق مع الاستقرار أن يحكم الحرس الثوري الشعب ويجبره على الاندماج في مفاصل الدولة قهراً وقسراً - والعقل العصري - لا يفهم من معنى الإخلاص أن يتقيد الشعب بالولاء لحكومة تحكمه لمصلحتها لا لمصلحته! وكل ما نتمناه لمن ينظرون تحت أقدامهم ولا ينظرون أمامهم أن يبقوا بعد انتقادهم واعتراضهم بضع سنين ليروا بأُم أعينهم مثالب الانتقاد والتدخل بدول الجوار ترد عليهم من روادع الزمان وتداول الأيام!

والآن، وقد مضى قرابة خمسين عاماً... بين النصر والهزيمة والعنجهية والغرور ثم تلاها الندم والحسرة والعظة والنسيان... يستطيع المراقب والناظر إلى الماضي أن يقول بثقة ويقين إن إيران قد ضلّت الطريق، وإنها سلكت الطريق الخطأ واغترت بمظاهر الوجاهة الكاذبة فضيعت في سبيلها مصلحتها الحقيقية وأنفقت المليارات من الأموال على عدة الحرب والمرتزقة حتى تتغلب بها على جيرانها... فلم تربح من هذه النفقات ما يساوي عُشر معشارها ولم تكن لتربح شيئاً يذكر إلى جانب الخسارة لو أنها مضت في طريقها ولم تنقطع بها الهزيمة في وسط الطريق... والنتيجة الآن تخلفت على مستوى المشاريع الكبرى وزادت معاناة شعوبها ولم تعُد إرادتها حرة كسابق عهدها!

وأخوف ما كنا -ومازلنا نخافه على أمم الشرق- سياسة الأحلاف بين المعسكرين؛ لأن المحالفة لا تؤكد للدولة إلا عداوة من تخالفه... ثم إنها لا تكفل لها صداقة من تحالفه... وليعلم الجميع أن تلك الدول الكبرىٰ لا تعضدهم ولا تتخلىٰ عنهم إلا لمصلحتها، فإن عَنّ لها وجه المصلحة في تأييدهم نصرتهم سواء كانت معهم أو عليهم، أو عَنّ لها وجه المصلحة في التخلي عنهم خذلتهم، سيان المحالف منها والمخالف... فخير للدول أن تُدير شراعها مع كل ريح من أن تتقيد بريح واحدة... وأنفع لها أن تكسب ثقة الرأي العام العالمي من أن تكسب الوُدّ الظاهر من حكومة واحدة!

ولكن المصيبة كل المصيبة في حب المظاهر والوجاهة المصطنعة التي تنخدع بها الدول كما ينخدع بها آحاد الناس. لقد كان التسابق في احتلال المستعمرات في القرن السابع عشر والثامن عشر (وجاهة عالمية) في عُرف الدول التي خرجت من الحرب العالمية وتريد اللحاق بالدول الكبرىٰ... وكثير من هذه الدول كان يستطيع أن يعيش بغير مستعمرات لولا هذه الوجاهة المكذوبة التي اصطلحت عليها... ولو أنك أحصيت ما أنفقته هذه الدول على السلاح والحرب وما كسبته من مستعمراتها لرجحت كفة النفقات أضعافاً مضاعفة على المكاسب... هذا إلى جانب سفك الدماء وتخلف الشعوب (انظر قارة أفريقيا اليوم بعد مئة سنة من الاستعمار)، وهكذا تعوّق نهضات التقدم والعمران!

وهكذا أُصيبت اليابان (قبل بير هاربر) بحُمّى الوجاهة الكاذبة فدفعت ثمنها غالياً... وهكذا أصبحت إيطاليا تستعمر طرابلس (ليبيا) لأنها ليست بأقل من فرنسا التي تستعمر تونس!

وهكذا أصبحت ألمانيا تستعمر المجاهل في القارة الأفريقية لأنها ليست بأقل من إنكلترا التي سبقتها إلى استعمارها... ولسوء حظ هذه الدول -طالبات الوجاهة- أنها جاءت في الزمن الأخير... والاستعمار في طور الاحتضار فنُكبت جميعاً ولم تستفد من استعمارها كما استفادت الدول التي سبقتها في بداية الثورة الصناعية... مع جهالة وتخلف شعوب العالم الثالث والاقتصاد العالمي يترنح... «فلا طبنا ولا غدىٰ الشر» مع متلازمة هذه الوجاهات والعاهات.