انهيار أسطورة الدولار...

9 أبريل 2026 10:00 م

لم يعد النظام النقدي العالمي القائم على هيمنة الدولار يعكس منطق الاقتصاد الحقيقي، بل تحوّل إلى أحد أبرز مصادر المخاطر النظامية التي تهدد الثروات السيادية. فالدولار لم يعد عملة استقرار، بل أداة لتدوير العجز الأميركي المتصاعد وتصدير مخاطره إلى بقية دول العالم، في ظل مستويات قياسية من العجز تعكس خللاً هيكلياً عميقاً في الاقتصاد الدولي.

ومنذ إنهاء قابلية تحويل الدولار إلى الذهب عام 1971، لم يعد الدولار يؤدي دوره كمعيار ثابت للقيمة، بل تحوّل إلى أداة نقدية تتسم بالتوسع غير المنضبط والتسييس المفرط والنزعة الهيمنية. ومع التنامي المستمر في الدين الأميركي، لم تعد الاحتياطات الدولارية تمثل ملاذاً آمناً، بقدر ما أصبحت تعكس مخاطر مركّزة داخل النظام المالي العالمي.

وقد ترسّخ هذا الواقع مع نشوء نظام «البترودولار» عام 1973، حيث جرى احتكار تجارة النفط بالدولار، فأصبح لزاماً على الدول المستوردة للطاقة شراء الدولار أولاً لإتمام معاملاتها، في حين تدفقت مبيعات النفط إلى البنوك الأميركية، الأمر الذي عزّز هيمنة المؤسسات المالية الأميركية. وبهذا، تحوّل الدولار من عملة وطنية إلى عملة دولية.

وفي سبيل الحفاظ على هيمنة الدولار، يتجلى ذلك بوضوح في الصراعات الدولية في مناطق إستراتيجية مثل مضيق هرمز، إذ يصبح التحكم في هذا الممر الحيوي تهديداً مباشراً لمكانة الدولار كعملة دولية، وهو ما يثير قلق الإدارة الأميركية وتبذل المستحيل للمحافظة على مكتسباتها.

في كتاب «انهيار أسطورة الدولار» وهو الكتاب الرابع من سلسلة انتشال وطن، صدر في مارس 2022، تُطرح أزمة الدولار كخطر مالي مباشر يهدد بنية الثروات السيادية للدول. فهو كتاب متخصص في إدارة مخاطر انهيار الدولار والذي سينتقل بها من الغنى إلى الفقر.

وفي هذا الإطار تبدو الصناديق السيادية، مكشوفة لمخاطر كبيرة، رغم ما يظهر من تنوع في استثماراتها. فهي تعتمد على فوائض نفطية مقومة بالدولار، واستثمارات طويلة الأجل مرتبطة به، وأسواق مالية غربية قد تخضع لاعتبارات سياسية عند الأزمات. وبالتالي، فإن أي تآكل في قيمة الدولار لا يعني مجرد خسائر محاسبية، بل هو تهديد مباشر للملاءة السيادية ومستقبل الأجيال.

ويحذّر كتاب «انهيار أسطورة الدولار» من أن التنويع داخل المنظومة الدولارية لا يوفّر حماية حقيقية، بل يقتصر على إعادة توزيع المخاطر ضمن الإطار ذاته. فالاستثمار في الاقتصادات الغربية يظل مرتبطاً بالعملة المرجعية نفسها، مما قد يؤدي إلى ما يمكن وصفه بـ«الإفلاس المقنّع»، حيث تبدو الأصول كبيرة اسمياً، لكنها تفقد قيمتها الفعلية نتيجة تآكل القوة الشرائية والعجز عن الوفاء بالالتزامات المستقبلية.

وفي مواجهة هذه التحديات تبرز الحاجة إلى تبنّي نموذج بديل لإدارة المخاطر يقوم على تأسيس اتحادات مالية إقليمية ودولية دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الدولار وفك الارتباط به. فمحاولة الانفصال المفاجئ أو حتى التدريجي عن الدولار تكون أشبه بإعلان مواجهة غير متكافئة مع أميركا تتجاوز قدرة أي دولة.

ويشمل هذا النموذج المقترح إنشاء بنك مركزي اتحادي ذي وظيفة احترازية، يتولى توجيه جزء من الفوائض السيادية نحو استثمارات إنتاجية داخل دول الاتحاد، بما يسهم في تقليل مستويات الانكشاف على الدولار والعملات المرتبطة به، مع الحفاظ في الوقت ذاته على استقلالية البنوك المركزية الوطنية، كما يقوم هذا النموذج على استحداث أداة نقدية اتحادية تُستخدم للتسوية التجارية والاستثمار، دون إلغاء العملات الوطنية لدول الاتحاد، بما يضمن المرونة والسيادة النقدية، ويمنح للدول الأعضاء حرية الانسحاب دون قيود، خلافاً للتجارب النقدية الموحدة التي قيّدت الاقتصادات الأضعف.

وعلى صعيد السياسات النقدية، لم يثبت حتى الآن صحة النموذج التقليدي القائم على رفع أسعار الفائدة وتجميد الأموال في أدوات الدين الغربية، فعاليته في تحقيق الاستقرار، بل قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في الثروة. ويبرز البديل في تشغيل الأموال السيادية داخل اقتصاد دول الاتحاد، وتحويل الصناديق السيادية من أدوات خاملة تعتمد على المضاربات والأسواق المالية، إلى محركات إنتاج وتنمية حقيقية، مع إشراك المواطنين في هذه المنظومة الاستثمارية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لدول الاتحاد.

ولمنع الاحتكار من باب التعاون كما جاء في سورة المائدة ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، فإن لدول الاتحاد الحرية في الانضمام لاتحاد آخر شرط بقاء عملتها الوطنية فاعلة، الأمر الذي سيشجع دول أخرى على إنشاء اتحادات شبيهة وتطويرها، بما يتيح للدول التعاون ضمن أطر متعددة دون التنازل عن استقلالها النقدي.

وفي هذا السياق، يُنشئ الاتحاد آلية مقاصة اتحادية متعددة الأطراف بين البنوك المركزية للأعضاء، تُعنى بتسوية التجارة الخارجية والاستثمارات المشتركة بين دولها ودول خارج الاتحاد الراغبة في التعاون الاقتصادي. وتعمل هذه المقاصة على أساس تسوية المبادلات بالعملات الوطنية أو بوحدة حساب اتحادية يتم هندستها وفق معايير انضباط وشفافية تغني من الاحتياطات الأجنبية، وتقلّص مخاطر سعر الصرف. فاستثمار الفوائض المالية لتمويل مشاريع الدول الأعضاء يكون بمعزل عن منظومة صندوق النقد الدولي.

إن انهيار أسطورة الدولار لم يعد احتمالاً نظرياً، بل خطراً وجودياً يتطلب تحركاً إستراتيجياً يبدأ بتقليل التبعية النقدية، وينتهي ببناء منظومات مالية إقليمية قادرة على حماية الثروات السيادية وتحقيق الاستقرار طويل الأمد.