استعاد ذكرياته مع والده «رجل الثقافة والسلام» في «مسرح الحياة»

سعود البابطين: «الهواية تملك رجالها»... ولا أستخدم البندقية في الصيد

2 مارس 2026 06:00 م

- صاحب السمو استدعاني وأشقائي... وشدّد على الاستمرار بالإرث الثقافي الذي تركه الوالد لأنه ملك للكويت
- مؤسسة البابطين تواصل توسعها بجهود العاملين فيها وأمنائها
- والدي كان يشعر بدنو أجله وسلّمنا مذكراته قبل وفاته بخمسة أيام
- مجلس والدي كان مدرسة... تعلّمت فيها كل كلمة
- عملت 8 أشهر في توصيل الطلبات... متنقلاً من نيويورك إلى سان فرانسيسكو لبيع الخبز والعصائر
- المقناص هواية متجذّرة في داخلي مذ كنت في السادسة من عمري
- كان
- رحمه الله
- يُغريني بزيادة «العيدية» من ربع دينار إلى نصف دينار وأكثر... كي لا أذهب معه إلى المقناص
- طلبتُ إجازة لعشرة أيام فرفضها مجلس الإدارة وقدّمت استقالتي
- طلبت أن تكون «الأباعر»... هدية تخرجي من الجامعة
- الصيد عندي يتم وفق قواعد الطبيعة بين الطيور ذاتها... من دون تدخل مباشر

في حلقة مميزة من برنامج «مسرح الحياة» الذي يقدّمه رئيس تحرير البرنامج الإعلامي علي العلياني، عبر شاشة «الراي» ومنصة «ROD» طوال شهر رمضان المبارك، حلّ رئيس مجلس أمناء مؤسسة عبدالعزيز البابطين الثقافية، رجل الأعمال والشاعر سعود البابطين «بوعبدالعزيز»، فكان ضيفاً خفيف الظلّ على البرنامج، مستذكراً محطات مضيئة من مسيرة والده الراحل، وذكرياته وعطاءاته الإنسانية والثقافية الممتدة، في العديد من البلدان العربية والإسلامية.

وتطرق العلياني، إلى محاور عدة، تتعلّق بشخصية الضيف، بدءاً من سنوات المراهقة والصبا، وعشقه لـ «المقناص» و«الإبل»، مروراً باستكمال دراسة الماجستير في «أميركا» والعمل في توصيل الطلبات، وانتهاء بالإرث الثقيل الذي حمله على عاتقه بعد رحيل والده «رجل الثقافة والسلام».

«الإرث الإنساني»

في مستهل اللقاء، استحضر العلياني الإرث الإنساني والثقافي الكبير الذي أرساه الشاعر عبدالعزيز سعود البابطين – رحمه الله – قبل وفاته، وهو الإرث الذي حمل رايته من بعده نجله سعود البابطين.

وقال «بوعبدالعزيز»: «لا شك أن ما قام به والدي كان أمراً صعباً ونادراً، فقد أفنى حياته في خدمة العلم والأدب والشعر واللغة العربية، إيماناً برسالة سامية، من دون غاية شخصية أو هدف مادي، لذلك كان عطاؤه بلا حدود، وقد نشأنا في كنفه وشاركناه هذا العمل الكبير».

وأضاف قائلاً: «لم يخطر في بالي يوماً أن أتحمل مسؤولية هذا الإرث الثقيل، لكنني تلقيت دعماً كبيراً من كثيرين، وعلى رأسهم حضرة صاحب السمو – حفظه الله ورعاه – الذي استدعاني وإخوتي بعد فترة قصيرة من رحيل والدي، بحكم العلاقة الممتدة لأكثر من خمسين عاماً بينهما، وقال لي: (يا سعود، لقد ترك لكم والدكم إرثين، أولهما مادي، وهو حق لكم ولا خوف عليه بينكم، وثانيهما ثقافي، وهذا ليس ملكاً لكم بل للكويت، ويجب الحفاظ عليه والاستمرار فيه)، وكان هذا التوجيه أكبر دعم تلقيته». وأكد أن مؤسسة البابطين تواصل توسعها بجهود العاملين فيها وأمنائها.

وأشار إلى أن والده كان قامة كبيرة «وكنا صغاراً بجانبه»، مستذكراً أحاديث خاصة لم يسبق أن كشفها للإعلام، منها أن والده كان يشعر بدنو أجله عبر شواهد عدة، أولها أنه ظل يكتب مذكراته على مدى عشرين عاماً من دون علمهم، ثم سلّمها لهم قبل وفاته بخمسة أيام، طالباً قراءة ما يُنشر منها وحفظ ما لا يرونه مناسباً، واضعاً الأمانة بين أيديهم.

ولفت إلى أن الشاهد الثاني كان خلال الإعداد لمؤتمر «حوار الحضارات» في القاهرة برعاية الرئيس عبدالفتاح السيسي، «إذ لم تكن الدعوات قد وُجّهت بعد، لكنه طلب – قبل وفاته بثلاثة أيام – إرسالها فوراً رغم أن موعد المؤتمر كان بعد شهرين، في تصرفٍ بدا كما لو أنه وصية ضمنية بالاستمرار».

واستعاد موقفاً إنسانياً يعكس وفاء والده، حين تحدّث عن تاجر يوناني بدأ التعامل معه في العام 1959 واستمر التعاون بينهما حتى منتصف السبعينات، مضيفاً «بعد وفاة التاجر، واصل الوالد التواصل مع أسرته حتى أيامه الأخيرة، وأوصى برعايتهم».

وعن طبيعة علاقته بوالده، أوضح أنه لازمه منذ صباه، وكان يفخر بالجلوس في ديوانه بين أصدقائه، معتبراً مجلسه «مدرسة» تعلّم فيها من كل كلمة وموقف، إذ كان والده يحرص على تعليمه من خلال التجارب الحياتية المباشرة.

«الدراسة والتخصص»

وتحدّث البابطين، عن سنوات الدراسة، مشيراً إلى أنه لم يكن مهتماً كثيراً في الثانوية العامة، وحقق نسبة لم تؤهله لدخول جامعة الكويت، فالتحق بجامعة الملك سعود في كلية التربية – تخصص جغرافيا – لمدة فصل دراسي واحد لتحسين معدله، ثم عاد إلى جامعة الكويت ليدرس في كلية التجارة والاقتصاد والعلوم السياسية، تخصص إدارة الأعمال.

«دليفري في أميركا»

وعن عمله «دليفري» لتوصيل الطلبات في الولايات المتحدة الأميركية، أوضح أنه عمل لمدة ثمانية أشهر في شركة متخصصة بتوزيع المواد الغذائية، متنقلاً بين ولايات عدة، من نيويورك إلى سان فرانسيسكو، يبيع الخبز تارة والعصائر والمرطبات طوراً، ويتعامل مع شرائح مختلفة من الزبائن، مؤكداً أن هذه التجربة صقلت شخصيته العملية.

«هواية المقناص»

كما انتقل الحديث إلى «المقناص»، وهوايته المحببة في صيد الصقور والطيور التي رافقته منذ طفولته، واستذكر رحلات القنص مع والده في أواخر الستينات وأوائل السبعينات، مؤكداً أن هذه الهواية متجذّرة في داخله مذ كان في السادسة من عمره، وكان يحرص على مرافقة والده في الأعياد، رغم محاولاته إغرائه بزيادة «العيدية» من ربع دينار إلى نصف دينار ليبقى مع أبناء عمومته، قائلاً: «كان رحمه الله يغريني برفع العيدية، لكنني كنت أفضّل الذهاب معه، وقد ورث أبنائي حب المقناص والإبل».

وروى موقفاً صعباً حين تعطلت المركبة في إحدى رحلات القنص، فاضطر مع صديقه ناصر إلى السير مشياً من الخامسة حتى الحادية عشرة مساءً في منطقة صحراوية تعج بالذئاب، ليصلا إلى موقع التخييم الخاص بوالده، لكنه تفاجأ بانتقال الأخير إلى موقع آخر يبعد 4 ساعات، ولعلّ ما زاد من حماسته عندما عُلم أن والده ورفاقه اصطادوا ما يقرب من 30 طيراً من الحبارى.

ولفت إلى أنه رغم تعطل «تنكر» المياه الذي أقلّهم لاحقاً، لم يتراجع، بل واصل المسير حتى التقى بوالده بعد ساعات من العناء، من دون أن يظفر بصيد الحبارى.

«(الأباعر) هدية النجاح»

وقال البابطين إنه عند تخرجه من الجامعة طلب من والده أن تكون هدية نجاحه «الأباعر»، وهو طلب استغربه والده لكنه نفذه، مبيناً أنه منذ ذلك الحين، صار يصطحب أبناءه في رحلات المقناص ومشاهدة الإبل خلال عطلات الربيع ونهاية الأسبوع، مشيراً إلى أن أفضل مواسم القنص تكون في شهري نوفمبر وديسمبر.

كما روى أنه عمل في أحد البنوك بعد التخرج، وطلب إجازة لمدة عشرة أيام لممارسة هوايته، لكن مجلس الإدارة رفضها، كما رفض طلباً مماثلاً لحفيدة رئيس المجلس، فاستقالت، واستقال هو أيضاً، مازحاً بالقول: «هي ليست أطيب مني»، مؤكداً أن الوظيفة كانت محطة موقتة قبل استكمال دراسته للماجستير في الولايات المتحدة.

«الهواية تملك رجالها»

وعن مسماه الأساسي، عمّا إذ كان يمكن التعريف به على أنه رجل أعمال أو قنّاص أو رئيس مجلس الأمناء لجائزة عبدالعزيز سعود البابطين الثقافية أو ابن رجل الثقافة والسلام، قال إنه يجمع بين رجل الأعمال والقنّاص وابن رجل الثقافة، مستشهداً بقول الأمير الشاعر خالد الفيصل: «الهواية تملك رجالها»، مؤكداً رفضه للصيد الجائر، وموضحاً أنه لا يستخدم البندقية، وأن الصيد عنده يتم وفق قواعد الطبيعة بين الطيور ذاتها من دون تدخل مباشر منه.

«قافلة البضائع»

ذكر البابطين، أنه كان متواجداً في الولايات المتحدة خلال الغزو العراقي للكويت، وحتى التحرير، واقتراحه على والده شراء سلع استهلاكية وتخزينها في مستودع يمتلكه بمدينة جدة لإدخالها فور التحرير، وهو ما تم بالفعل في العاشر من شهر مارس العام 1991، حيث وُزعت القافلة على مختلف مناطق الكويت، وكان لذلك أثر كبير في مسيرته.

«أبواب الرزق»

استعاد البابطين، قصة في مطلع الستينات، حين لم ينجح والده في تسويق بضاعته، فنصحه بعض الأصدقاء بالتوجه إلى مدينة طريف، وهناك استقبلته سيدة في منزلها وأكرمته رغم غياب زوجها، ثم حضر زوجها مع تاجر يُدعى «مهاوش» فاشترى البضاعة بالسعر المحدد من دون جدال، لتُفتح بعدها أبواب رزق واسعة للأطراف الثلاثة، البابطين والمرأة و«مهاوش»، مؤكداً أن عائلة تلك المرأة لا تزال على تواصل معهم حتى اليوم.

«رسالة خطية»

في فقرة «الصور»، عُرضت رسالة خطية من الوالد إلى ابنه تتضمن نصائح حول الجد والاجتهاد وحسن الخلق والتواضع، وكذلك صورة من مؤتمر «حوار الحضارات» في القاهرة بعنوان «العدالة والتنمية» وهو أول مؤتمر يعقده بعد رحيل والده، ولقطة أخرى توثق صورة لأبنائه في رحلة مقناص، علّق عليها بحكمة والده: «من بغاه كله... خلّاه كله»، في إشارة إلى ضرورة الموازنة بين العمل والهواية.

أما الصورة الأخيرة فجمعته بوالده وعمه عبداللطيف وأبنائه.

«امتداد واعٍ»

في تقديمه للضيف، قال العلياني: «لسنا أمام رجل أعمال ورث اسماً، بل أمام إنسان نشأ داخل فكرة وتحمل مسؤوليتها، فهو امتداد واعٍ لإرث ثقافي لا يُدار بعقل السوق وحده، بل بضمير الرسالة»، مؤكداً أن تجربته تقف في المساحة الصعبة بين الوفاء للأصل وضرورة التجديد، وبين الإرث بوصفه شرفاً ومسؤولية.

«فكرة الابتعاث»

أوضح «بوعبدالعزيز» أن فكرة الابتعاث التي أطلقها والده ما زالت مستمرة، واستفاد منها الآلاف داخل الكويت وخارجها، ما أسهم في توسيع الفرص أمام الأسر والأبناء.

على هامش الحلقة

لا يوجد تنافس ثقافي

أجرت «الراي» حواراً صحافياً مع البابطين، وسألته عمّا إذا تغيّرت طبيعة المنافسة الثقافية اليوم، فأجاب قائلاً: «لا يوجد شيء اسمه تنافس ثقافي، فكل من يصل في المجال الثقافي يسعى إلى الإضافة من خلال المبادرات المختلفة، واليوم هناك وفرة في المبادرات، لكن القليل منها يمتلك رؤية طويلة المدى»، مؤكداً أن «مؤسسة البابطين لم تدخل سباق الكم، بل حافظت على مكانتها كمؤسسة مرجعية».

وعن مفهوم «الاستثمار في اللغة العربية»، الذي أشار إليه في مناسبات عدة، علّق «بوعبدالعزيز»: «الاستثمار في اللغة كان من صميم فكر والدي. نحن نتحدث عن استثمار ثقافي وإستراتيجي في آن واحد: تعليم، بحث، ترجمة، وصناعة معرفة، فاللغة ليست تراثاً محفوظاً في المتاحف، بل أداة حضور في العالم وهي لغة حية ولها خصوصيتها».

وحول المردود الذي تتلقاه المؤسسة مقابل دعمها المفتوح للثقافة العربية، أوضح أن «المردود الحقيقي هو الحفاظ على لغتنا العربية والأدب العربي بكل مجالاته وخصوصاً الشعر العربي وأن ترى مشاريع المؤسسة حيّة بعد عقود، وأن تجد أجيالاً جديدة تتعامل مع اللغة العربية بثقة».

ولدى سؤاله، كيف ستكون الموازنة بين رجل الأعمال ورجل الثقافة في عالم يتعامل بالأرقام ويواجه تحديات رقمية ومنافسات شرسة في دنيا الأعمال، ردّ البابطين: «الوالد، رحمه الله، كان يرى أن النجاح في عالم المال والأعمال لا يكتمل إلا برد الجميل للمجتمع، ومن هنا جاءت رؤيته في الجمع بين الاستثمار والتنمية الثقافية.

وقد تعلمت منه أن العطاء لا يقل أهمية عن الإنجاز الاقتصادي، بل هو الوجه الحقيقي للنجاح، لذلك سعينا في مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين الثقافية إلى أن نكون جسراً يربط بين الثقافة العربية والعالم، وأن نقدم ما يعزز الهوية العربية، من دون أن نتجاهل مسؤولياتنا الاقتصادية والتجارية».