رأي نفطي

النفط في زمن الحرب... ومصير المرور عبر الخليج العربي

2 مارس 2026 06:00 م

تترقب الأسواق العالمية معرفة المسار الذي ستسلكه أسعار النفط. والسؤال المطروح بقوة: إلى أي مستوى سيصل سعر البرميل؟ وهل يمكن أن يتجاوز حاجز 100 دولار؟

لا شك أن أي تصعيد عسكري يستهدف دولة منتجة للنفط بحجم إيران ستكون له تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة. فإيران تُعد من كبار المنتجين، إذ يبلغ إنتاجها قرابة 3 ملايين برميل يومياً، وتُصدّر نسبة كبيرة من هذا الإنتاج، كانت الصين في مقدمة مستورديه، إلى جانب دول أخرى مثل فنزويلا، كما كانت الهند من أبرز المشترين قبل أن تتراجع وارداتها بفعل الضغوط والعقوبات الأميركية.

ومع اندلاع الحرب وتعرض المنشآت النفطية لهجمات أو اضطرابات، فإن أي توقف شبه كامل في الإنتاج أو التصدير الإيراني سيؤدي تلقائياً إلى ارتفاع الأسعار، نتيجة فقدان كميات مهمة من المعروض العالمي. وهذا النقص سيدفع الدول المستوردة إلى البحث عن بدائل، ما يزيد من حدة المنافسة على الإمدادات المتاحة ويرفع الأسعار بشكل فوري.

وتشير التقديرات إلى أن الفائض النفطي العالمي يتراوح بين 3.5 إلى 4 ملايين برميل يومياً، وهو رقم يوازي تقريباً حجم الإنتاج الإيراني الحالي. من الناحية النظرية، يمكن لهذا الفائض أن يعوض النقص على المدى القصير، لكن ذلك يتطلب تنسيقاً سريعاً بين الدول المنتجة التي تمتلك طاقات إنتاجية فائضة لضخ كميات إضافية في الأسواق.

غير أن هذه العملية لا تتم بين ليلة وضحاها؛ إذ تحتاج إلى ترتيبات فنية ولوجستية، ما يعني احتمال حدوث فجوة موقتة في الإمدادات، تؤدي إلى موجة صعود قوية في الأسعار، خصوصاً إذا رافقها توتر سياسي متصاعد.

ويبقى القلق الأكبر مرتبطاً بإمكانية إغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد من أهم الممرات البحرية في العالم. إذ يمر عبره يومياً ما بين 20 إلى 21 مليون برميل من النفط، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

ويمثل هذا المضيق بوابة العبور الأساسية لصادرات دول الخليج العربي نحو الأسواق العالمية، خاصة إلى آسيا. فدول مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تعتمد بشكل حيوي، بل مصيري في بعض الحالات، على نفط الخليج لتشغيل اقتصاداتها الصناعية.

وإغلاق هذا الشريان يعني اضطراباً غير مسبوق في سلاسل الإمداد العالمية، وقد يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر تضخمية على الاقتصاد العالمي.

وفي حال تعرضت المنشآت النفطية الإيرانية لدمار واسع، فسيكون السؤال: هل تستطيع دول الخليج تعويض هذا النقص بالكامل؟ نظرياً، تمتلك بعض الدول الخليجية طاقات إنتاجية فائضة تمكنها من زيادة الإنتاج، لكن التعويض الكامل يعتمد على حجم الأضرار، ومدة الحرب، واستقرار البنية التحتية في المنطقة.

أما إذا امتدت الأضرار إلى منشآت نفطية في دول خليجية أخرى، فستكون الأزمة أعمق وأشد تعقيداً، نظراً لأهمية المنطقة كمصدر رئيسي للطاقة العالمية.

وأثبتت تجربة الحروب السابقة في الخليج أن استمرار تدفق النفط، ولو في ظروف صعبة، ساهم في الحد من الارتفاعات المفرطة للأسعار. كما أن وجود فائض عالمي يقارب 4 ملايين برميل يومياً قد يشكل عامل توازن، بشرط ألا يطول أمد الحرب.

ففي حال استمرار النزاع لفترة طويلة، سيواجه العالم موجة تضخم جديدة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة، ما سينعكس على أسعار السلع والخدمات عالمياً.

في ظل ما يحدث، يبقى الأمل أن تنتهي الحرب سريعاً، وأن يظل الخليج العربي منطقة آمنة وبعيدة عن النزاعات، ليستمر كممر حيوي وشريان حياة للطاقة العالمية. فاستقرار هذه المنطقة لا يخدم دولها فحسب، بل يمثل ضرورة للاقتصاد العالمي بأسره.

كاتب ومحلل نفطي مستقل

[email protected]