في زمنٍ تتشابك فيه الخيوط بين السياسة والفن، ويغدو الضحك أحياناً أداة مقاومة، يبرز الكاتب والمؤلف المصري الكبير يوسف معاطي، بوصفه صانع الأسئلة الجريئة في الزمن الصعب، ومؤمناً بأن الكلمة موقف، وأن التجربة الأولى في حياة الإنسان قد تتحول إلى بوصلة ترافقه حتى آخر الطريق. حضورُه ليس مجرد حضور كاتب كوميديا، بل مفكر يقرأ المجتمع، ويؤمن بأن الفن صناعة الناس، وأن الصدق هو رأسمال المبدع.
ففي حلقة من برنامج «مسرح الحياة» الذي يقدّمه الإعلامي السعودي علي العلياني، على شاشة «الراي» ومنصة «ROD» خلال شهر رمضان، حلّ معاطي ضيفاً، متناولاً محطات متعددة من مسيرته، ومجيباً بصراحة عن أسئلة طالت الطفولة، والهجرة والسينما والمسرح، وعلاقته بكبار النجوم في مصر والخليج.
«الموقف يصنع الأثر»
وصف معاطي، العلياني في بداية اللقاء بأنه رائد من رواد الإعلام العربي لما قدّمه في برامجه، قبل أن ينتقل الحوار إلى سؤاله عمّا إذا كان قد رتّب لما أصبح عليه اليوم، أم أن الهجرة والضرب الإسرائيلي كانا من أسّسا شخصيته ومسيرته.
أجاب معاطي، قائلاً: «لا يوجد تخطيط، بل الموقف هو الذي يخلق النتيجة أو الأثر»، وأضاف موضحاً أنه حين كان طفلاً شعر بأن ألعابه ذهبت منه فجأة، وأن العائلة كلها تجتمع في سيارة نقل للهجرة بسبب الضرب من الكيان الصهيوني، وهو ما سبّب له صدمة عميقة. لذلك، يعتقد رداً على بعض من اتهموا أعماله بالتطبيع، أن هذا أمر مستحيل، متسائلاً: «هل من الممكن أن يتحوّل طفل من أطفال غزة المهجّرين الذين يعانون يوماً ما، إلى كاتب عن التطبيع؟».
وأشار إلى أنه على يقين بأن من بين هؤلاء الأطفال سيخرج عباقرة وكتّاب رائعون، لكن من المستحيل أن يكتب أحدهم عن ذلك بعد كل ما شاهده وعاناه. وأكد أنه شخصياً شاهد هذا الأمر عندما كان طفلاً، لذلك لم يكن فقط مسلسل «فرقة ناجي عطا الله» هو ما عبّر عن موقفه، بل أيضاً فيلم «السفارة في العمارة»، إضافة إلى عمل قدّمه في الكويت بعنوان «إرهابيات» جمعه بالفنانين داود حسين وحسن البلام.
وخلال قدومه إلى البرنامج، أوضح معاطي، أنه اكتشف عدم زيارته الكويت منذ 26 سنة، مشيراً إلى أن ذلك العمل كان سبباً في صداقته الطويلة مع الفنان الراحل عبدالحسين عبدالرضا، إذ كانا يستعدان لمشروع فيلم سينمائي من بطولته. وقال إنه كان يراه، وكما يُقال بالطريقة المصرية «ريحانة الخليج»، وفناناً كبيراً جداً.
وأضاف أنه حين تخصّص في أدب المسرح الفرنسي لموليير، قرأ التاريخ الفرنسي في تلك الحقبة الزمنية، ومع تتبّعه لكل مسرحية، أدرك أن الفنان الكوميدي خطير جداً ولا يمكن أن ينساه التاريخ. وأكد أن الراحل عبدالحسين عبدالرضا قدّم بصمته في أعمال مثل «سيف العرب» و«بني صامت» و«على هامان يا فرعون» و«باي باي لندن»، مشيراً إلى أن هذه الأعمال ستخلّد السنوات الأخيرة للبلد، وتُعرّف كيف كان المجتمع يعيش، إذ تضمنت استشرافاً للمستقبل مع وضع رأيه الشخصي في ذلك الوقت الصعب.
«يكفيني معرفتكم»
وخلال الحديث، ذكر العلياني، قصة عن معاطي، قائلاً إن أحد الأصدقاء روى له أنه في يوم من الأيام تمت دعوة معاطي، إلى لندن من أجل الاتفاق على عمل درامي، فكتب الملخص وقرأه فريق العمل من جميع الأطراف، لكن العمل لم يُصنع في نهاية المطاف. وشعر القائمون عليه بحرج كبير، فأرسلوا له شخصاً عزيزاً لإبلاغه بالاعتذار ومنحه كامل مستحقاته المالية، غير أن معاطي تقبّل الأمر بصدر رحب ورفض استلام أي مبلغ قائلاً: «يكفيني معرفتكم وصداقتكم».
وعقّب معاطي، على هذه الواقعة قائلاً، إن هذا سر لا يعرف كيف عُلم، لكن ما قام به نبع من قلبه، موضحاً أن معرفة الفنان الحقيقي والكبير ليست بالأمر السهل، ولن تجد كثيرين منهم. وأضاف أنه لا يتقاضى أي مبلغ مالي مقابل عمل لم تتم صناعته، لأنه لا يكتب عملاً ليبيعه، بل مشروعاً متكاملاً يحرص على متابعته خطوة بخطوة حتى مرحلة المونتاج، مؤكداً أن ما فعله كان تقديراً لنجمي العمل صديقيه الفنانين عبدالحسين عبدالرضا وناصر القصبي.
«البدايات من الجامعة»
وعن كيفية بدء رحلته، قال «كنت في الجامعة أُخرج المسرحيات وأعيد كتابة النصوص بأسلوبي، وكنا نقوم باستئجار المسارح»، موضحاً أنه في إحدى المرات دعا أحد المنتجين لحضور مسرحية «The Bear» التي تولّى إعادة كتابتها وإخراجها، فأُعجب بما شاهده، وطلب منه إرسال نسخة من النص المسرحي المعدّل. وبعدما قرأه، أخبره أن المسرحية المقبلة ستكون من تأليفه، غير أن معاطي أبدى رغبته في الإخراج أيضاً، فاستجاب المنتج لطلبه، وقال له إنه سيكون المؤلف والمخرج للعمل.
وأضاف أنه كتب فعلاً مسرحية «حب في التخشيبة»، ومنها أصبحت العروض تنهال عليه بعد كل عرض من المنتجين، مؤكداً أنه منذ ذلك اليوم لم يتقاضَ مالاً على عمل يبيعه من دون أن يُنفذ. وبعدها بدأ مشواره في السينما والتلفزيون.
«أنا ما يُقرأ»
وحول الأشخاص الذين أثنوا عليه، قال: «أنا مدين لأناس كثر، لكن المؤلف تحديداً هو ورق، أنا ما يُقرأ». وأوضح أنه في فترة من الفترات آمن بكتاباته نجوم كثر، إذ تعاون مع أجيال لم يكن يحلم يوماً أن يقابلها، مثل عمر الشريف وكمال الشناوي وسميرة أحمد وفاتن حمامة.
«الإفيه حين يصبح معنى»
وفي ما يخص «الإفيهات»، قال إنه في أول مرة قرأ الفنان عادل إمام إفيه «شاي بالياسمين» في فيلم «مرجان أحمد مرجان» لم يكن في ذلك الوقت يوجد شاي بالياسمين فعلياً، لذلك بدا الإفيه غريباً عليه، واقترح تغييره إلى «شاي بالقرنفل أو النعناع». غير أن معاطي أخبره بأن هذا الإفيه يعبّر عن الرشوة، فنال إعجابه واستقر في العمل.
وتابع «وبعدما عرض الفيلم أصبح الإفيه مشهوراً، حتى قامت إحدى الشركات قامت بإنتاج شاي في الياسمين، وأرسلت لنا الكراتين منه».
«خلّي الناس صناعتك»
وكشف معاطي عن نصيحة الأديب نجيب محفوظ له، إذ قال له: «اقعد بصّ على الناس، على مناخير دا وعين دا وضحكة دا وتكشيرة دا، خلّي الناس صناعتك وعملك، راقب الناس بيضحكوا إزاي». وأكد أنه يعتبر أن عملية الفن هي من صناعة الناس، فلا يمكن أن يتكبر عليهم لأنهم من يصنعونه، ولا يتعامل معهم كأستاذ يلقّن تلاميذه، لأنهم هم الأستاذ.
كما أشار إلى إمكانية كتابة عمل عن الشاعر المصري ذي الأصول التونسية بيرم التونسي، معتبراً أن حياته يمكن أن تشكّل عملاً مهماً، خصوصاً أنه لخّصها بطريقة لافتة في أربعة أبيات شهيرة هي «الأولى مصر قالوا تونس ونفوني جزاة الخير، الثانية تونس وفيها الأهل جحدوني وحتى الغير، والثالثة باريس وفى باريس جهلوني وأنا موليير».
«الأدب الساخر»
وحول ندرة كتّاب الأدب الساخر، قال إنه سبق أن كتب في صحف مثل «الأهرام» و«الاتحاد» و«القبس»، مؤكداً أن المقال الساخر كان بمثابة الوردة الخاصة بالصحف، وكان الناس يذهبون صباحاً لقراءته حتى يبتسموا. وأضاف أننا في أمسّ الحاجة إلى هذا اللون في صحافتنا، لأن الأدب الساخر هو مصنع خروج كتّاب الكوميديا.
وكشف عن أنه من المشروعات التي يتمنى تنفيذها يوماً ما إنشاء أكاديمية للكوميديا في الوطن العربي، يهتم فيها بالأدب الساخر وصناعة الكتّاب، مشيراً إلى أن هذا اللون يعاني أزمة شديدة في الفترة الأخيرة. وأكد مقولته الدائمة: «قمة الفن هي في إخفاء الفن»، لافتاً إلى أن فكرة «الستاند أب كوميدي» أوروبية وليست عربية، لأن الحياة هناك متشابهة، بينما في العالم العربي يجب أن تأتي المفاجأة من دون تمهيد مباشر، فالغير متوقّع هو جوهر إخفاء الفن.
«الابتعاد ضرورة»
وعن سبب مغادرته المشهد في عزّ نجاحاته وذهابه إلى بريطانيا، أوضح أن المنطقة شهدت تغيراً هائلاً في الخطاب وطريقة التعبير عن المشاعر، ولم يكن من المناسب أن يستمر بالأدوات القديمة، فكان من الضروري أن يبتعد ليرى أكثر ويتعمق في وجهة النظر التي سيتبناها. واستشهد بتجربة ويليام شكسبير، متسائلاً لماذا لم يكتب في عز مجده لمدة خمس سنوات، ليصل إلى قناعة بأن لحظة التأمل غير المرتبطة بضغوط ضرورية.
وأوضح أنه في تلك الفترة كتب أعمالاً غير مرتبطة بموسم دراما رمضان أو موسم سينما العيد أو حتى بنجم معيّن، بل كتب تجربة شديدة الخصوصية. وأضاف أن بعض المثقفين قد يلومونه في رأيه بشأن الفوضى، لكنه يعتقد أن الفوضى لا تُخرج فناً ولا حضارة، وأن الحرية الزائدة قد تقتل الحرية، فالفن يحتاج إلى مناخ حر، لكنه أيضاً بحاجة إلى استقرار.
«الفن والسياسة والكبار»
أكد معاطي، أن نقد الفن من خلال السياسة فقط خطأ فادح، قائلاً: «السياسة بتاعة النهاردة، والفن بتاع بكره»، وذلك تعقيباً على نقد طال فيلم «فرقة ناجي عطاالله».
«صدفة»
تحدث معاطي، عن فيلم «طباخ الريّس»، موضحاً أن فكرته جاءت من شخص تعرّف عليه صدفة وكان يعمل طباخاً في الرئاسة المصرية، وأن النص رُفض في البداية من الرقابة قبل أن يجلس معهم ويُدخل تعديلات عليه، مشيراً إلى أن الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك كان يحب مشاهدة الفيلم بشكل شبه يومي.
«فيلم آخر»
استعاد معاطي كواليس فيلم «حسن ومرقص»، موضحاً أن عادل إمام كان يحضّر لفيلم آخر، لكنه أُعجب بشخصية العمل، ولتحقيق موازنة النجومية تم إشراك عمر الشريف، فحقق الفيلم نجاحاً كبيراً، خصوصاً أنه تناول موضوع المسلمين والمسيحيين ودخل إلى عش الدبابير.
«كوميديان الكويت والخليج»
أشاد بالفنان حسن البلام، واصفاً إياه بالكوميديان الأول في الكويت والخليج، مؤكداً ضرورة كتابة أعمال له. كما أثنى على تجربة ناصر القصبي في «طاش ما طاش»، معتبراً أنه سدّ فراغاً مهماً في الدراما الخليجية الكوميدية، وكشف عن تعاون سيجمعه بالقصبي في مسلسل درامي يعقبه فيلم سينمائي.
«قراءة النص»
أوضح معاطي، أن التعامل مع الكبار، في الفن وغير الفن، أسهل من التعامل مع الصغار، مشدداً على أنه يحب قراءة النص للممثلين بنفسه ليصلهم ما هو مكتوب على الورق بشكل دقيق، لأن النص بالنسبة إليه ليس مجرد كلمات، بل روح يجب أن تُنقل كما كُتبت.