قال رئيس مجلس إدارة بيت التمويل الكويتي ورئيس اتحاد المصارف الكويتية حمد المرزوق، إنه لولا اندماج «بيت التمويل» والأهلي المتحد، لكان سعر سهم «بيت التمويل» أقل بنسبة تتراوح بين 38 و40 في المئة من سعره الحالي بسبب تحمله تكلفة المعالجة المالية في «بيتك تركيا» المتحققة هناك محاسبياً بسبب التضخم العالي.
وأوضح المرزوق، في لقائه عبر برنامج «مسرح الحياة» والذي يقدمه الزميل علي العلياني، أن الاندماج رفع الطاقة الإقراضية لـ«بيت التمويل» 35 في المئة، ما يؤكد نجاحه وتمكينه من المشاركة بفاعلية في تمويل مشاريع حكومية كبرى، أبرزها محطات الكهرباء، ومنها محطات الزور الشمالية، معبّراً عن تفاؤله بالمرحلة المقبلة في ظل الاستقرار السياسي ومكافحة الفساد، مضيفاً: «متفائل جداً، فهناك هدوء سياسي، وكثير من الوزراء يكرسون وقتهم اليوم للإنجاز، مقارنة بفترة سابقة كانوا «مو حولك» بسبب الضغوط والابتزاز الذي كان يتعرض له الوزراء من خلال الاستجوابات.
وتابع: «البعض يقول لا نرى إنجازات، لكن خلال سنة ونصف السنة، وهي بعمر الدول قصيرة، كان هناك تركيز واضح بقيادة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الصباح، مع فتح ملفات الفساد على مصراعيها، فكان الأمر أشبه بأرض رخوة (صبخة) لا يمكن البناء عليها، وكان يتعين التنظيف أولاً والأرض صلبة حتى يُبنى عليها، وقد تمت مواجهة ملفات فساد عدة، ومعالجتها بالتزام كامل من صاحب السمو، وسمو ولي العهد الشيخ صباح الخالد، وسمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ أحمد العبدالله في مكافحة الفساد، وهذا أثلج صدور الكثير من الناس، ونحن في قطاع الأعمال شعرنا بارتياح بأن الفترة المقبلة ستكون بعيدة عن ممارسات الفساد، وأنا من حزب المتفائلين بأن الكويت مقبلة على مشاريع تنموية كبيرة».
وقال المرزوق: «اليوم لم يعد هناك بنك كبير واحد فقط، وهو بنك الكويت الوطني، وهو بنك عريق ومعروف، بل أصبح هناك بنك آخر كبير وهو (بيت التمويل)، وقد انعكس ذلك بشكل إيجابي، حيث دخلنا في تمويل مشاريع حكومية كبرى عدة»، مؤكداً المضي قدماً في المساهمة بتمويل مشروعات تنموية أخرى المرحلة المقبلة.
من «المركزي» إلى الغزو... مرحلة غير مسبوقة
وتطرق المرزوق، إلى تجربته المصرفية خلال الغزو العراقي للكويت، مبينا أنه في عام 1990 انتقل للعمل في بنك الكويت المركزي ضمن مكتب الشؤون الفنية التابع لمحافظ بنك الكويت المركزي آنذاك الشيخ سالم عبدالعزيز الصباح، حيث كانت مهمته إعداد التقارير المتعلقة باتجاهات أسعار الفائدة والأسواق العالمية، إلى جانب إعداد دراسات فنية، من بينها دراسة حول تقديم الخيارات المالية «Options» لسوق الأوراق المالية، والتي كانت جزءاً من رسالة الماجستير التي أعدها، إلا أن الغزو العراقي حال دون متابعة نتائجها بعد رفعها للمحافظ.
وعن فترة الغزو، قال المرزوق، إنها تجربة نادرة لم تتكرر، مشيراً إلى أنه كان ضمن الفريق الذي تولّى إدارة ملفات حساسة، أبرزها تجميد أصول البنوك الكويتية في الخارج، لمنع العبث بها من قبل المحتل، بالتنسيق مع البنوك المركزية العالمية ومؤسسة «أوفاك» الأميركية.
تمويل المقاومة... واستعادة الذهب والعملات
وتحدث المرزوق، عن دور«المركزي» خلال الغزو في تمويل المقاومة الكويتية، موضحاً أنه كان يتولى المهمة في حال غياب الشخص المكلف بإرسال الفاكسات من داخل الكويت، عبر احتساب التمويل وإعادة إرساله للجهات الممولة والداعمة للمقاومة في الخارج.
وأشار إلى ملفات أخرى شملت استبدال العملة التي نُهبت من خزائن «المركزي»، واستيلاء الجيش العراقي على مخزون الذهب، والذي كان يضم نحو 80 طنا من الذهب، نُقلت إلى العراق، قبل أن تعاد في مرحلة لاحقة، مضيفاً أن من أبرز التحديات بعد التحرير كانت تأمين خروج «الديسكات» التي كانت تتضمن شيفرات خاصة بأصول البنوك والتزاماتها والودائع، إلى جانب إعادة تشغيل البنوك وهيكلة أصولها، وشراء المحافظ البنكية المتعثرة نتيجة تضرر أصول العملاء، وبين أن قرار شراء الأصول كان بأقل تكلفة على المال العام كان حتمياً، رغم احتجاج بعض البنوك وبعضها كان لديه وجهة نظر، وتم حينها إصدار سندات وصكوك – من بينها صكوك لـ «بيت التمويل» مقابل تلك العمليات.
تثبيت الدينار... لحظة تاريخية
ووصف المرزوق، قرار تثبيت سعر صرف الدينار الكويتي 1991 بسعره نفسه يوم الغزو بأنه قرار تاريخي، مؤكداً أن محافظ «المركزي» أعلن ذلك في مؤتمر صحافي، ما عزّز الثقة بمتانة الاقتصاد الكويتي، وأرسل رسالة واضحة أن الكويت قادرة على تجاوز آثار العدوان.
من بنك صغير في لندن... إلى مجموعة مصرفية كبرى
وتناول المرزوق، مسيرته في الاستحواذات والاندماجات المصرفية، بدءاً من شراء حصص الهيئة العامة للاستثمار في بنك
الكويت المتحد في لندن عام 1998، مروراً بالأزمات التي واجهت البنك مع أزمة الديون الروسية، ثم التحولات الإستراتيجية التي قادت إلى الاستحواذات في البحرين وقطر وسلطنة عمان ومصر.
وسرد تفاصيل الاستحواذ على «الأهلي المتحد»، ثم البنك الأهلي في قطر، والتخارج منه بتحقيق أرباح قاربت ربع مليار دولار، إضافة إلى الاستحواذ على بنك الدلتا في مصر وتحويله إلى بنك إسلامي ناجح بعد مفاوضات مع مستثمريه السعوديين وشركائهم المصريين، حيث تم الحصول على قيمة 37 جنيهاً للسهم الواحد، مبيناً استمرار العمل لتطوير شبكة فروعه.
وأوضح المرزوق، أن الاندماج يعني دمج مؤسستين في كيان واحد، بينما الاستحواذ يؤدي إلى إنهاء الكيان القانوني للجهتين وإنتاج مؤسسة واحدة، مشيراً إلى أن ما جرى بين «بيت التمويل» و«الأهلي المتحد» كان استحواذاً واندماجاً في آن واحد، مع اختلاف آليات التطبيق بين الكويت والبحرين.
وأكد المرزوق، أن اندماج البنوك أصبح أمرا حتمياً، لا سيما للكيانات الصغيرة والمتوسطة، بهدف خلق مؤسسات مصرفية قادرة على المنافسة وتحقيق وفورات في تكلفة الأموال، مشيراً إلى أن حتى خفض ربع أو نصف نقطة مئوية في التكلفة تنعكس ربحية كبيرة على البنوك الكبرى.
روّاد المصرفية الإسلامية
وحول نشأة المصرفية الإسلامية، قال المرزوق، إن هناك 3 رواد أساسيين وهم: الشيخ أحمد بزيع الياسين، والشيخ صالح كامل، والأمير محمد الفيصل، مؤكداً دورهم في وضع اللبنات الأولى للعمل المصرفي الإسلامي في الكويت والدول العربية.
وقال المرزوق، إن الشيخ الياسين، أسس «بيت التمويل» عام 1977، بالتنسيق مع المرحوم وزير المالية الأسبق عبدالرحمن العتيقي، وباركها آنذاك الشيخ جابر الأحمد الصباح، رحمه الله، كما ساهم «بيت التمويل» في تحويل بنك الشارقة في الإمارات إلى بنك إسلامي، حيث كان يمتلك حصة بلغت 20 في المئة، وذلك بناء على طلب قُدم من حاكم الشارقة في ذلك الوقت.
وأضاف أن الشيخ صالح كامل، أسس البنوك الإسلامية في البحرين ومصر ودول إسلامية عدة، متذكراً اتصالاً هاتفياً جمعه به، أوصاه خلاله بالالتزام بالشريعة في المنتجات، والاستمرار على نهج «بيت التمويل» المعروف بتشدده في الالتزام بالضوابط الشرعية، مشيراً إلى أنه سمع بخبر وفاته في اليوم التالي تقريباً، وكان ذلك من المواقف التي بقيت عالقة في ذاكرته.
«بيت التمويل»... من 126 مليون دينار لأكثر من 600 مليون أرباحاً
وتحدّث المرزوق، عن تجربته في «بيت التمويل» منذ 2014، موضحاً أن أرباح البنك كانت آنذاك 126 مليون دينار، مع تحديين رئيسيين هما ارتفاع سعر السهم مقارنة بالربحية، والتركز الجغرافي في تركيا.
وقال: «دخلت مع مجموعة في مجلس إدارة (بيت التمويل) عام 2014، وقبل ذلك كنت قد حققت طموحي في (الأهلي المتحد) منذ 1998، حيث خسرنا في السنة الأولى 3.5 مليون دولار، ثم حققنا لاحقاً أرباحاً بلغت 170 مليوناً، وكان ذلك برئاسة عادل اللبان رئيساً تنفيذياً، الذي أسهم بشكل كبير في تحقيق الأهداف».
وتابع المرزوق: عندما انتقلت إلى (بيت التمويل) في 2014، كانت هناك مشكلتان رئيسيتان: الأولى تتعلق بسعر السهم، الذي كان مرتفعاً مقارنة بالربحية، والثانية التركز الجغرافي، حيث كانت تركيا تمثل 35 في المئة من أرباح البنك، وهي نسبة عالية تحتاج إلى معالجة».
وأضاف: «قمنا منذ دخولنا بإعادة هيكلة البنك وتخفيض مصاريفه وتحويله إلى أنشطة مصرفية أساسية، فعلى سبيل المثال، في 2007 حقق البنك أعلى أرباح في تاريخه بلغت 275 مليون دينار، إلا أن 265 مليوناً منها كانت إيرادات استثمارية، ما لا يتماشى مع نموذج وإستراتيجية البنك، ومن هنا جاءت فكرة الاستحواذ لتعزيز ربحية البنك، والاستفادة من سعر السهم المرتفع آنذاك، حيث كان مكرر الربحية 32، وهو مستوى عالٍ جداً».
وأضاف: «عدم تعزيز الربحية كان سيجعلنا نصطدم بالواقع، لافتاً إلى أن خطوة الاستحواذ باستخدام الأسهم جاءت لتعزيز الربحية، حيث كان مكرر الربحية في الصفقة بحدود 10، وكان ذلك في صالح (بيت التمويل)، أما الأمر الآخر فتمثل في خفض التركز في تركيا، وأثبتت الأيام صحة هذه الإستراتيجية بالأرقام، والتي قادت إلى خفض المساهمة في بيت التمويل- تركيا من 35 في المئة إلى ما بين 20 و22 في المئة، فبعد الاندماج 2022، شهدت تركيا تضخماً تجاوز 100 في المئة خلال 3 سنوات، ما استدعى تطبيق معايير محاسبية وأخذ مخصصات، حيث أخذ البنك في 2024 مخصصات بقيمة 155 مليون دينار نتيجة ذلك. ورغم ذلك ارتفعت أرباح البنك من 126 مليون دينار في 2014 إلى أكثر من 600 مليون بالربع الثالث 2025، إلى جانب تحقيق الهدف الإستراتيجي المتمثل في التنويع الجغرافي والوفورات في المصاريف الإدارية».
وتابع المرزوق: «رغم استمرار تأثير التضخم في تركيا، الذي وصل إلى 85 في المئة، إلا أن (بيت التمويل)، حقق 100 في المئة من مستهدفات وفورات المصاريف الإدارية، وذلك بعيداً عن ما فرضه هذا التضخم من تحديات اقتصادية لا يمكن التحكم فيها، وقد أثبتت التجربة أن تعزيز ربحية البنك والتنويع الجغرافي للمخاطر عبر التواجد في دول عدة كان الخيار الصحيح، كما أن الاستحواذ أوجد مؤازرة إضافية في الإيرادات»، متوقعاً خلال السنتين إلى الثلاث المقبلة، تعظيم الإيرادات بين الكويت ومصر ولندن وتركيا، من خلال هيكل تنظيمي جديد يساعد على تحقيق ذلك.
المسيرة المهنية... والبدايات
أوضح المرزوق، أن تجربته العملية بدأت في الشركة الكويتية للاستثمار، حيث تولّى إدارة محفظة الأسهم الأميركية، واصفاً تلك المرحلة بأنها تجربة مهمة، لاسيما أن أول يوم عمل له تزامن مع انهيار الأسواق المالية في أكتوبر 1987، حين هبط السوق الأميركي 22 في المئة في يوم واحد، حيث تم حينها إعادة توزيع الأصول وفق المخاطر، ما أسهم لاحقاً في تحقيق انتعاش السوق الأميركي لمدة 3 سنوات وارتفاع مؤشره نحو 70 في المئة، موضحاً أن تلك التجربة بقيت حاضرة في مسيرته المهنية على مدى 40 عاماً.
واستعرض المرزوق، خلال اللقاء مسيرته المهنية الممتدة لأكثر من 3 عقود في العمل المصرفي، وما شهدته من محطات مفصلية وتجارب استثنائية، كان لها أثر مباشر في إعادة رسم خارطة المال والمصارف في الكويت والمنطقة.
وقال المرزوق، إنه اختار الهندسة الصناعية مع ماجستير في التمويل، معتبراً أن الجمع بين التخصصين أسهم في صقل قدرته على استيعاب المخاطر في العمل المصرفي، موضحاً أن الهندسة تعني الدقة وتحديد المخاطر، وهي عوامل أساسية في العمل المالي، وتساعد مجالس الإدارات والإدارة التنفيذية على تنفيذ مسؤولياتها بدقة.
خطأ المرزوق ونصيحة الوالد
في فقرة «مدرج مسرح الحياة»، تحدث المرزوق، عن مراجعة النفس، معترفاً بوجود أخطاء في مسيرته، ومستحضراً نصيحة والده بعدم الحدة في مواجهة الأمور.
وأشار المرزوق إلى حبه للرياضة، وممارسته السابقة لكرة السلة والقدم والبادل، قبل أن يكتفي حالياً بالسباحة والمشي، مؤكداً عشقه لكرة القدم وتشجيعه لنادي أرسنال، والهلال السعودي ونادي الكويت.وكشف المرزوق، عن مشاركته في شراء نادي ميلتون كينز الإنكليزي، لما يمتلكه من أصول عقارية مميزة، مع طموح للوصول به إلى الدوري الإنكليزي الممتاز، معبّراً عن إعجابه بتجربة دوري روشن السعودي، متمنياً نجاحها، ومؤكداً في الوقت ذاته أن تركيز «بيتك» في السعودية ينصب على الفرص المصرفية إلى جانب فرص أخرى ومنها الرياضية.