في أحدث تقارير سلسلة قيادة الفكر

«الوطني للثروات»: التنويع الاستثماري... المكسب المجاني الوحيد

21 فبراير 2026 06:00 م

- فعالية التنويع تعتمد جمع أصول تحركها قوى مختلفة وتستجيب بصورة متباينة للتغيرات
- نموذج 60/40 ينسجم مع انخفاض التضخم وتسارع العولمة وسياسات التيسير النقدي
- توسيع استثمارات المحفظة التقليدية ليشمل البديلة يساهم بتعزيز التنويع

اعتبرت شركة «الوطني للثروات»، أن التنويع يعد أحد أكثر الركائز رسوخاً في منظومة إدارة الاستثمار الحديثة، إذ يمثل إطاراً منهجياً لإدارة المخاطر لا مجرد مبدأ نظري. وفي جوهره، يرتكز على توزيع الانكشاف عبر فئات الأصول والاستراتيجيات ومصادر توليد العائد، بما يعزز قدرة المحافظ الاستثمارية على الصمود والتكيف عبر نطاق واسع من البيئات الاقتصادية وظروف الأسواق. وبالنسبة للأفراد ذوي الملاءة المالية العالية ومستشاريهم، يتجاوز التنويع نطاق المفهوم الأكاديمي ليشكل أداة استراتيجية أساسية للحفاظ على رأس المال وتنميته على المدى الطويل.

وأشار أحدث تقارير سلسلة قيادة الفكر، الصادرة عن «الوطني للثروات»، إلى إعادة تعريف التنويع الاستثماري - بناء المحافظ الاستثمارية في عالم ما بعد نموذج 60/40، مستشهداً بالحائز جائزة نوبل ومؤسس نظرية المحفظة الحديثة، هاري ماركويتز، الذي اعتبر أن «التنويع المكسب المجاني الوحيد في عالم التمويل». ورغم أنه لا يقضي على المخاطر بالكامل، فإنه يحد من المخاطر غير المقترنة بتوقعات ارتفاع العوائد. ومن ثم يتيح للمستثمرين السعي لتحقيق أهدافهم طويلة الأجل بدرجة أكبر من الثقة والانضباط السلوكي، لا سيما خلال فترات الضغوط وتقلبات الأسواق.

آليات التنويع

وبشأن الآليات، يذكر التقرير أن فعالية التنويع تعتمد على الجمع بين أصول تحركها قوى اقتصادية مختلفة وتستجيب بصورة متباينة للتغيرات في النمو والتضخم وأسعار الفائدة وتطورات الأسواق. فالأصول التي تتحرّك أسعارها باستقلال نسبي عن بعضها البعض توفر أكبر قدر من مزايا التنويع عند دمجها ضمن المحفظة الاستثمارية. وعلى النقيض، فإن الأصول التي تميل أسعارها إلى التراجع معاً في الأوقات التي تشتد فيها الحاجة للحماية لا تضيف قيمة حقيقية من حيث التنويع. كما يتطلب التنويع قدراً من المرونة والانضباط السلوكي، إذ إن المحفظة المتنوعة بصورة جيدة ستتضمن دائماً بعض الأصول التي تحقق أداءً دون المستوى بفترات معينة، ما قد يثير شعوراً بعدم الارتياح خلال فترات صعود الأسواق بقوة. إلا أنه عبر دورات السوق الكاملة، يساهم التنويع في تعزيز استقرار مسار العوائد، والحد من حدة التراجعات، وتقليص مخاطر خسارة رأس المال.

وأشار التقرير إلى أنه على مدى ما يقارب 4 عقود، ارتبط مفهوم التنويع إلى حد كبير بنموذج المحفظة التقليدية 60/40، القائم على الجمع بين الأسهم والسندات (60 % أسهم و40 % سندات). وانسجم هذا الإطار مع البيئة الاقتصادية التي اتسمت بانخفاض معدلات التضخم، وتسارع وتيرة العولمة، وتبني سياسات نقدية تيسيريه. وخلال الضغوط الاقتصادية، كانت الأسهم تميل إلى التراجع، في حين تشهد السندات الحكومية ارتفاعاً مدفوعاً بخفض البنوك المركزية لأسعار الفائدة، ما جعل السندات أداة تحوط فعالة ومصدراً للدخل في آن واحد. ومنذ أوائل ثمانينات القرن الماضي وحتى الفترة التي أعقبت الأزمة المالية العالمية، أثبتت هذه العلاقة درجة لافتة من الموثوقية والاستقرار.

نقطة تحول

واستعاد التقرير ما كشفه 2022 من قيود كامنة في نهج محفظة 60/40. فقد أدى الارتفاع الحاد في معدلات التضخم، مدفوعاً باختلالات سلاسل الإمداد المرتبطة بالجائحة، والتوسع في السياسات المالية، وصدمات الطاقة، لدفع البنوك المركزية نحو نهج التشديد النقدي بوتيرة قوية ومتسارعة. وارتفعت أسعار الفائدة بوتيرة حادة، لتشهد كل من الأسهم والسندات تراجعات متزامنة وملحوظة. وبالنسبة لكثير من المستثمرين، شكل إخفاق السندات في أداء دورها التقليدي كأداة تحوط مفاجأة جوهرية، وأعاد طرح تساؤلات حول الافتراضات السائدة التي استندت إليها مبادئ بناء المحافظ الاستثمارية لعقود.

ولم تكن هذه التطورات مجرد انتكاسة دورية عابرة، بل عكست تحولاً أعمق لنظام الاقتصاد الكلي على نطاق اوسع. حيث ساهم تزايد التشرذم الجيوسياسي، وتراجع العولمة، وتصاعد النزعات الحمائية، واستمرار اختناقات أسواق العمل الهيكلية، في تشكيل بيئة أصبحت فيها مخاطر صدمات التضخم وصدمات النمو أكثر توازناً من حيث الاحتمال والتأثير. وفي ظل هذه المعطيات، قد تصبح البنوك المركزية أقل قدرة، أو أقل ميلاً، إلى الاستجابة لكل تباطؤ اقتصادي عبر التيسير النقدي المكثف. إن الاعتماد على مصدر واحد للتنويع لم يعد كافياً لضمان متانة المحافظ الاستثمارية.

لا يعني ذلك أن السندات فقدت أهميتها. إذ تواصل السندات عالية الجودة أداء دور محوري، لا سيما في ظل إعادة تسعير العوائد إلى مستويات أكثر جاذبية. كما أنها لا تزال قادرة على توفير الدخل، وتعزيز السيولة، وتقديم قدر من الحماية في سيناريوهات الركود الاقتصادي. إلا أن التنويع في المرحلة الراهنة يتطلب منظوراً أوسع ومنهجية مدروسة، تقوم على دمج مصادر للعائدات تختلف هيكلياً في محركاتها وخصائصها.

ويفترض التقرير أن توسيع إطار استثمارات المحفظة التقليدية ليشمل الاستثمارات البديلة، قد يسهم في تعزيز فعالية التنويع، وتعد استثمارات البنية التحتية وصناديق التحوط من النماذج البارزة لهذا التوجه. فالأصول في قطاع البنية التحتية، مثل المرافق المنظمة، وشبكات توزيع الطاقة، وأصول النقل، تميل إلى توليد تدفقات نقدية مستقرة وقابلة للتنبؤ، مدعومة بعقود طويلة الأجل أو بأطر تنظيمية.

أبرز الاستخلاصات

انتهى تقرير «الوطني للثروات» إلى أبرز الاستخلاصات، كما يلي:

• لم يعد نموذج محفظة 60/40 كافياً، نظراً لما يتسم به من بساطة لتوفير مستوى التنويع الملائم للمستثمرين.

• لا ينبغي للمستثمرين التخلي عن السندات، إذ لا تزال تؤدي دوراً مهماً، ضمن هيكل المحافظ الاستثمارية.

• ينبغي توسيع نطاق التنويع بصورة مدروسة، مع فهم واضح للهدف الإستراتيجي لكل مكون من مكونات التخصيص.

• الجمع بين الأسهم، وأدوات الدخل الثابت عالية الجودة، والأصول الحقيقية مثل البنية التحتية، وإستراتيجيات صناديق التحوط المنتقاة بعناية، يمكن أن ينتج عنه تكوين محافظ أكثر قدرة على التعامل، مع طيف واسع من السيناريوهات الاقتصادية.

• في بيئة تتسم بقدر أكبر من عدم اليقين، والتحولات الهيكلية، والمخاطر الجيوسياسية، يظل التنويع «المكسب المجاني الوحيد»، لكنه يتطلب تفكيراً أوسع وبناء محافظ أكثر انضباطاً.

• يستلزم الحفاظ على الثروة في المرحلة الراهنة اعتماد إطار متعدد الأصول قادر على استيعاب تحولات بيئة الاقتصاد الكلي العالمية.