الإنسان متعدّد الاهتمامات

19 فبراير 2026 06:00 م

لطالما كان الإنسان المثقّف متوقّد الذهن، منفتح البصيرة، متّسع الروح، ولذلك تتعدّد اهتماماته وتتنوّع، ولا يرى في ذلك تناقضاً أو حرجاً، بل يجد فيه امتداداً طبيعياً لوعيه وشغفه بالحياة. عبارات مثل «سبع صنايع والبخت ضايع» أو «فلان أبو العريف» عبارات نسمعها كثيراً في مجتمعاتنا للأسف، وتحدّ من المرء واهتماماته وهواياته، بينما الأصل ألّا يكتفي بإطارٍ واحدٍ يحصره، بل يتنقّل بين الاهتمامات كما يتنقّل الفكر الحرّ بين الأسئلة والأجوبة. فتارةً ينجز ويبدع في صميم تخصّصه، وتارةً أخرى يلجأ إلى هواية أو اهتمام جانبي يجدّد به طاقته، ويوسّع آفاقه، فيجمع بذلك بين العمل والشغف، وبين الجهد والمتعة.

فبينما ينشغل المرء بالهندسة أو القانون أو الطب أو التعليم، وغيرها من المهن ذات الأعباء الثقيلة، نجده في الوقت ذاته يمارس رياضةً تعزّز لياقته الجسدية، فتنعكس آثارها إيجاباً على البدن والعقل معاً، سواءً كانت ممارسةً للمتعة أو للاحتراف، وقد يتّجه اهتمامه، في لحظة صفاء، نحو الفنون بمختلف أشكالها، فيكون شاعراً أو أديباً يهب للكلمة روحها، أو روائياً ينسج من الخيال عوالم موازية، أو رسّاماً يبعث الحياة في الإنسان والطبيعة عبر الألوان والخطوط، أو موسيقياً يجد في العزف لغة أخرى للتعبير، وغيرها من الهوايات إلخ...

كلّها في النهاية مسارات إبداعية تتلاقى عند معنى واحد: الشغف.

إنّ تعدّد الاهتمامات، بل وجمع الإنسان لأكثر من هواية واحدة، سواءً كانت قريبة من مجال تخصّصه أو بعيدة عنه، لا يُعدّ تشتّتاً ولا ضرباً من الادّعاء، كما تحاول بعض العبارات الشائعة والمحبِطة تصويره، بل على العكس، هو تعبير صادق عن إنسانٍ يرفض أن يُختزل في قالب واحد، أو يُحاصر في زاوية ضيّقة أو محدودة، هو إيمان بأن للحياة مساحات أوسع من حدود المهنة أو العنوان الوظيفي.

فالهواية ليست ترفاً عابراً، ولا وقتاً مهدوراً، ولا نوعاً من «التفزلك» بل نافذة يتنفّس منها الإنسان، ويجدّد عبرها شغفه، ويثري تجربته الإنسانية وهي الوجه الآخر المُكمل للعمل، تكمله ولا تناقضه، وتمنح الرحلة الحياتية تنوّعها وعمقها. تلك الرحلة التي تستحق أن تُعاش بتجدّد، وتجربة، وانفتاح على الممكن بل وبرأيي، أنّ الجمع بين الهواية والعمل هو بمثابة الجمع بين الحسنين، وهو أمر طبيعي لدى الناس المبدعين.