احتجاجاتٌ في الشارع على ضريبة البنزين ورفْع الـ tva ومخاوف من «استثمارات» سياسية

الحكومة اللبنانية مُحاصَرة بغضبةٍ شعبية... هل نُصب فخّ لها؟

17 فبراير 2026 10:00 م

... هل ثمة مَن نَصَبَ فخاً لحكومة الرئيس نواف سلام التي وَجَدتْ نفسَها بعد عامٍ و9 أيام على تشكيلها أمام منعطفٍ شديد الحساسيةِ بدا معه أن «الحصان» المالي الذي كان يُفترض أن يشدّها والبلادَ إلى الأمام، جنباً إلى جنب مع «الحصان» السيادي (سلاح حزب الله)، أعادهما إلى «زمنٍ قديم» وتحديداً مفترق 2017 – 2019 الذي مهّد وسبق «العاصفة الكاملة» التي ضربت لبنان مالياً ونقدياً ومصرفياً واقتصادياً ومعيشياً ومازالت تجرجر ذيولَها حتى اليوم؟

هذا السؤال الكبير انفجر في بيروت، الثلاثاء، من قلْب القرار الذي اتخذّتْه الحكومة (الاثنين) بدفْع 6 رواتب إضافية للعاملين في القطاع العام (مدنيين وعسكريين) والمتقاعدين وبتكلفة 800 مليون دولار سنوياً، على أن يكون التمويل من ضريبةٍ بدأ سريانها الثلاثاء، بقيمة 300 ألف ليرة لبنانية (أي 3.4 دولار) على صفيحة البنزين، بما يشكّل زيادة بنسبة 20 في المئة على سعرها، إضافة إلى رَفْعِ الـ tva من 11 إلى 12 في المئة، وهو ما يحتاج إلى قانون من البرلمان.

مادة «شديدةَ الاشتعال»

ولم يتأخّر تَحَوُّلُ هذا القرار، الذي نغّص على اللبنانيين فرحتَهم ببداية شهر رمضان المبارك، مادةً سياسيةً وشعبيةً «شديدةَ الاشتعال» في ظلّ اعتراضاتٍ في الشارع، من بيروت ووسطها إلى الشمال والبقاع الغربي، على شكل قَطْعِ طرقٍ، رَفْضاً لزيادةٍ اعتُبرت استنزافاً لِما بقي من «أحزمة أمان» لكل المواطنين الذين لم تندمل بعد الكوارث التي حلّت عليهم منذ انهيار 2019 المتسلسل وتَبَخُّر ودائعهم ومدخراتهم والذي لم تُنجز بعد أُطُرُ الخروجِ منه، وتمويلاً للقطاع العام قبل إصلاحه بنيوياً من جيوب سائر اللبنانيين، الأمر الذي سيَجذب «قرش تَضَخُّم» شاملٍ جديداً يَشمل كل مفاصل حياتهم من دون أن يزيد مدخولهم ولو قرشاً واحداً.

وفي حين «انتفضتْ» غالبية القوى السياسية وحتى الممثَّلة في مجلس الوزراء ضدّ القرار الذي وُصف بأنه تمويلٌ للقطاع العام من «الصرّاف الآلي» الأسهل للدولة الذي يشكّله القطاعُ الخاص وعموم المواطنين وامتدادٌ لسياساتٍ من زمن حكومات ما قبل انبلاج فجر الإصلاح (المالي والسيادي) مع «لبنان الجديد»، الذي انطلق بانتخابِ العماد جوزف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل سلام الحكومة الأولى في عهده، فإنّ الأخطر كان أن الحكومة باتت في مرمى نيران من مختلف الاتجاهات:

- نيران «صديقة» من داخلها، خصوصاً من وزراء ونواب في كتلتيْ «القوات اللبنانية» والكتائب، ونواب تغييريين داعِمين لها صَعَقَهُم المَسارُ الذي اعتبروا أنه كان بالإمكان إدارته أفضل مما كان بكثير، وعلى قاعدة البحث عن إيراداتٍ تمنع أي اختلالات نقدية أو اقتصادية إضافية عبر توسيع جباية الرسوم والضرائب القائمة أو فرْضها على قطاعاتٍ معفاة (مثل الذهب المستورد - سبائك وعملات)، عوض الاستهداف المباشر للطبقة المتوسطة والفقيرة، مع تحذيرٍ من تكرار كارثة سلسلة الرتب والرواتب في 2017 والتي كانت «الصاعق التفجيري» لانهيار 2019، وتلويح بالتصديّ لرفع الضريبة بشقّيْها، في مجلس شورى الدولة كما في البرلمان حيث سيكمن كثيرون للزيادة على الـ tva.

- ومن موظّفي الدولة الذين اعتبروا أن ما أُقرّ خالف الوعود «برفع الرواتب إلى 50 في المئة من قيمتها التي كانت عليها منذ 2019 بالدولار الأميركي، مع زيادة 10 في المئة كل ستّة أشهر تنتهي في أغسطس 2028»، لافتين إلى «أن مجلس الوزراء وضع كلّ المستفيدين من الزيادة في مواجهة الشعب اللبنانيّ بأسره؛ فبدل أن تغطِّيَ الدولة تكلفة هذه الزيادة الهزيلة من مصادر بدءاً من التهرُّب الضريبيّ إلى ضبط الهدر والفساد وصولاً إلى الأملاك البحريّة والنهريّة، وجدناها تحمّل الشعب اللبنانيّ تبعاتها»، ومؤكدين «سنتصدّى بكلّ الوسائل التي شرّعها القانون وسنواجه في الشارع في الوقت المناسب».

- ومن شارعٍ تقدّمه السائقون العموميون ونزل إلى الأرض وقَطَع َالطرق رفْضاً لما أُقرّ وما سيرتّبه من أعباء على القطاع المثقل ومستخدِميه كما على عموم السلة الاستهلاكية التي تتأثّر بموضوع البنزين الذي يَدخل في تسعير كل السلع دون استثناء، إلى جانب التداعيات التضخمية الموازية من خلال رفع الضريبة على القيمة المضافة.

وضعية دفاعية

وإذ كان بارزاً بعد الظهر دعوات وُجِّهت لتحرُّك في ساحة رياض الصلح المتاخمة للسرايا الحكومية والتي كانت اعتُمدت كـ «عاصمة» للحِراك الذي مهّد ورافق ثورة اكتوبر 2019، وجاءت إحدى هذه الدعوات من مجموعة «طلعت ريحتكم»، فإنّ الحكومة وجدت نفسها في وضعيةٍ دفاعيةٍ صعبة لا تُحسد عليها اضطر معها الرئيس سلام خلال جولته في طرابلس كما وزير المال ياسين جابر في مؤتمر صحافي إلى تبرير الزيادة الضريبية والتخفيف من تأثيراتها. وهذا الأمر ظهّر واقعاً بدتْ معه الحكومةُ في مأزقٍ في ضوء عدم قدرتها على ترْك موظفي القطاع العام، خصوصاً العسكريين، يَتَقاضون رواتب هزيلة وفي الوقت نفسه غياب إمكان إصلاح الإدارة وتنقيتها أو ترشيقها قبل منْح الزيادات، ناهيك عن أن مختلف الإدارات مشلولة في ضوء الإضرابات التي تعوق تحقيق إيرادات للخزينة وأن الاعتراضات في الشارع كانت بلغت إبان إقرار موازنة 2026 مدخل مجلس النواب.

ومن خلف غبار هذا المناخ المشحون - علماً أن الرواتب الإضافية لن تُدفع إلا بعد صدور قانونيْ زيادة الضريبة على القيمة المضافة وفتح الاعتمادات الإضافية اللازمة في البرلمان - فإنّ رصْداً داخلياً وخارجياً برز لهذه «القنبلة» المفاجئة التي حَجَبَتْ الأنظارَ عن ثباتِ الحكومة على قرار حَصْرِ السلاح بيد الدولة واستكماله في شمال الليطاني (بين نهري الليطاني والأولي) ومع مهلة زمنية - ولو بين 4 و8 أشهر وفق إمكانات الجيش والظروف الميدانية - وهو ما عبّر عنه جوهر مقرّرات جلسة الاثنين وذلك رغم الخط الأحمر الذي رسمه «حزب الله» بلسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم.

لغم البنزين والـ tva

وفَرَضَ لغم البنزين والـ tva رصْداً دقيقاً للدينامية التي سيُطلقها ولا سيما في الشارع - المدعو لمزيد من التحركات في اليومين المقبلين من قبل نقابات النقل البري - والقابل للاستثمار في أي لحظةٍ في مختلف الاتجاهات ومن أكثر من طرف، وانعكاسات ذلك على الحكومة في ذاتها، خصوصاً في ظل المكاسَرة حول اقتراع المنتشرين بين رئيس البرلمان نبيه بري ورئيسيْ الجمهورية والحكوم، والتي تضع الانتخابات النيابية (مقررة في 10 مايو) برمّتها أمام خطر التطيير، ناهيك عن أن ثمة مَن يعتقد - بحسب أوساط سياسية على خصومة مع حزب الله – أن الإطاحةَ بالحكومة ربما توقف مَسارَ حصر السلاح.

ومن هنا، اعتبرت مصادر قوى مُشارِكة في الحكومة عبر «الراي» أن ثمة حاجة لإدارة المرحلة بدقة وعناية، لافتة إلى أن الزيادة لن تمرّ وسيتم اللجوء إلى الآليات الدستورية للطعن بها والتصدّي لها في البرلمان (زيادة الـ tva)، ومتسائلة «ما الهدف من هذا القرار الذي جرى الإصرار على إقراره الاثنين ومَن أراده، وما الحِكْمة من تعميمِ أزمةٍ كانت محصورة بفئة، ولو مظلومة، على كل اللبنانيين"؟

وأضافت «هذا القرار إما أنه غير مدروس وإما شرارة لتطيير الانتخابات من خلال الشارع، وسنرى. وفي أي حال علينا حماية هذه الحكومة السيادية التي وَضَعَتْ للمرة الأولى في تاريخ لبنان على أجندتها حصر السلاح بيد الدولة وبسط سيادتها على كامل أراضيها بقواها الذاتية حصراً، وهذا الموضوع يشكّل جوهر المعاينة الخارجية للواقع اللبناني، إلى جانب ملف الإصلاح».