بين المِطرقة الأميركية والسندان الإسرائيلي تقف إيران لاختبار حدود المرونة

الأيام المقبلة... الأكثر حسماً في تاريخ الصراع بالمنطقة

17 فبراير 2026 10:00 م

استضافت جنيف، الثلاثاء، جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، بوساطة عُمانية، في مشهد دولي يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة... فبينما يجلس الدبلوماسيون على طاولة المفاوضات، تعج المنطقة بتحركات عسكرية غير مسبوقة، ويترقب الجميع إشارة الانفجار.

الكل يسأل إلى أين تتجه الأمور؟ هل نحن على أعتاب اتفاق أم على شفا حرب إقليمية شاملة وقلب الأمور باتجاه الفوضى المدمرة؟

استناداً إلى تحليلات معمقة من صحف عبرية وأجنبية، مثل «معاريف»، «هآرتس»، شبكة «سي بي إس نيوز»، «نيويورك تايمز» و«سي إن إن»، تتشكل صورة غير واضحة وقاتمة لخطوط التحرك الأميركية والإسرائيلية، واستشراف السيناريوهات المحتملة للأيام المقبلة.

وقبل ساعات فقط من انطلاق محادثات جنيف، تحرك الطرفان في الميدان لرسم الخطوط الحمراء وإرسال الرسائل الأكثر وضوحاً:

- الردع الإيراني عبر مضيق هرمز، حيث ينفذ الحرس الثوري، مناورات «التحكم الذكي».

ووفقاً لتقرير آفي أشكنازي في «معاريف»، تدرب الأسطول الإيراني خلال هذه المناورة على سيناريوهات إغلاق مسارات الملاحة في المضيق الإستراتيجي، الذي يمر عبره ربع ناقلات النفط العالمية.

وكانت الرسالة الإيرانية، كما يصفها الكاتب، مباشرة وموجهة لدونالد ترامب «إذا ما تعرضنا للهجوم - سنضرب الاقتصاد العالمي، في المكان الأكثر إيلاماً للرئيس الأميركي»، بينما ذكرت «وكالة شينخوا للأنباء» الصينية، أن هذه المناورات تهدف لاختبار الجاهزية القتالية والتعامل مع خطط الطوارئ، مستغلة الموقع الجيوسياسي الإيراني لتأمين مصالحها.

- في المقابل جاء الحشد الأميركي لحرب طويلة، حيث تواصل واشنطن تعزيز وجودها العسكري في المنطقة بأسلوب يشير إلى استعدادها لمعركة قد تطول.

وكشفت شبكة «سي إن إن»، تفاصيل دقيقة عن عملية الحشد العسكري الأكبر من نوعه منذ سنوات، تضمن إعادة انتشار جوي، حيث يتم إعادة نشر طائرات تزود بالوقود، ونقل مقاتلات كانت متمركزة في بريطانيا إلى قواعد أقرب إلى المنطقة.

وتم الدفع بتعزيزات جوية وبحرية، خلال الأسابيع الأخيرة، ونُقلت عشرات طائرات الشحن العسكرية الأميركية محملة بالمعدات إلى المنطقة.

وأكد ترامب يوم الجمعة، إرسال حاملة الطائرات الثانية «جيرالد فورد»، الأحدث والأضخم في العالم، لتنضم إلى الحاملة «أبراهام لينكولن» في المنطقة، ويستغرق وصولها نحو أسبوع.

تهديد مباشر

ونقلت «سي إن إن» عن مسؤولين في البنتاغون، ان الجيش يستعد لعملية محتملة ضد إيران قد تستمر «أسابيع عدة» إذا فشلت المفاوضات، في حين أعلن مسؤول في البيت الأبيض أن «كل الخيارات مطروحة على الطاولة» أمام ترامب.

الجبهة الإسرائيلية... استنفار شامل

إسرائيلياً، لا يقتصر الاستعداد على الجبهة الإيرانية فقط، إذ تقدر المؤسسة الأمنية أن المحادثات «لن تؤدي إلى أي مكان»، مما دفع الجيش لتكثيف استعداداته للتصعيد على جبهات متعددة.

وبالنسبة للضفة الغربية ولبنان، ذكرت «معاريف» أن الجيش قتل منذ بداية الشهر 12 مسلحاً من «حزب الله» و«الجهاد الإسلامي» في لبنان، كما تشير المعلومات إلى بصمات إيرانية واضحة لمحاولة «إشعال النار في الضفة»، بحسب «معاريف».

الضوء الأخضر للصواريخ البالستية

وكشفت تقارير إعلامية أميركية، نقلتها «معاريف»، أن الإدارة الأميركية أعطت إسرائيل ضوءاً أخضر للعمل ضد الصواريخ البالستية الإيرانية.

وهذا التقرير تؤكده معلومات من «سي بي إس نيوز»، التي نشرت نقلاً عن مصدرين مطلعين، أن ترامب وعد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في ديسمبر الماضي خلال لقائهما في مار إيه لاغو بأنه سيدعم ضربات إسرائيلية ضد منشآت الصواريخ الإيرانية إذا فشلت المفاوضات.

رؤى متباينة

ولم تقدم التصريحات الرسمية صورة واضحة عن مضمون المباحثات، لكن التحليلات الصحافية والتقارير الاستخباراتية كشفت عن عمق الأزمة وتعقيدها.

- الموقف الأميركي: بين «الضغط الأقصى» والانقسام الداخلي

ويقدم تقرير موسع لصحيفة «نيويورك تايمز»، صورة معقدة للإدارة الأميركية. فبينما يهدد ترامب باستخدام القوة، تشير تقييمات استخباراتية أميركية وإسرائيلية إلى أن البرنامج النووي الإيراني لا يشكل تهديداً وشيكاً في الوقت الحالي. فبعد ستة أشهر من الضربات الأميركية في يونيو الماضي، لا يوجد دليل يذكر على أن إيران استأنفت التخصيب بمستويات عالية أو تحركت نحو صنع رأس حربي.

كما أن مخزون طهران من اليورانيوم المخصب الذي تم قصفه لا يزال مدفوناً وغير قابل للوصول.

هذا الانقسام يعكسه أيضاً تصريح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي قال خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ إن عواقب انهيار النظام الإيراني «تبقى سؤالاً مفتوحاً». كما أن بعض أعضاء الكونغرس الديمقراطيين، مثل النائب جيسون كرو، أعربوا عن قلقهم، داعين إلى «اتفاق دائم وقابل للتحقق» بدلاً من التهديد باستخدام القوة.

ستار الدخان الأميركي والتحالف مع إسرائيل

ويشير زلمان شوفال، في «معاريف»، إلى أن ما وصفه بـ «ستار الدخان المقصود» يكتنف التصريحات الأميركية، لكن ما يكشفه هذا الدخان هو تحول جوهري في طبيعة العلاقة مع إسرائيل.

كما كشفت «سي بي إس نيوز» مزيداً من التفاصيل حول الدعم الأميركي المحتمل لإسرائيل، بما في ذلك توفير التزود بالوقود جوّاً للطائرات الإسرائيلية والمساعدة في تأمين تصاريح عبور أجواء، رغم أن العديد من الدول أعلنت علناً أنها لن تسمح باستخدام أجوائها لأي هجمات ضد إيران.

إغراء اقتصادي مقابل مبادئ أيديولوجية

وفي الطرف المقابل، قدم تسفي برئيل، المحلل البارز في صحيفة «هآرتس»، قراءة معمقة للاستراتيجية الإيرانية. فطهران مستعدة لتقديم تنازلات تكتيكية، مثل خفض نسبة التخصيب أو التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل رفع العقوبات. لكن العرض الأكثر إثارة للاهتمام، وفقاً لتصريحات مساعد وزير الخارجية للشؤون الاقتصادية حميد قنبري، هو ضمان تحقيق «فائدة اقتصادية» للولايات المتحدة أيضاً من خلال صفقات كبرى في قطاع الغاز والنفط والموارد الطبيعية وشراء الطائرات.

لكن طهران تتمسك بخطين أحمرين، هما الحفاظ على حقها في الطاقة النووية السلمية، والاحتفاظ بقدراتها الصاروخية.

ويرى برئيل أن هذه العروض تهدف إلى اختبار مرونة التهديد الأميركي، فإيران تمشي على «حبل دقيق وخطير» بين مبادئها الأيديولوجية وبين الإملاءات والتهديدات الأميركية. ومع ذلك، الفجوة لا تزال هائلة، ففي وقت ترفض طهران حتى مناقشة برنامجها الصاروخي، تعتبر الولايات المتحدة وإسرائيل ذلك، «نية صريحة للحصول على السلاح النووي».

في سياق متصل بالوضع الداخلي، يقدم غال ليبرتوف في «هآرتس» مقالاً لافتاً يحذر من أن سياسة العنف الرسمية قد تقود إسرائيل إلى مستويات من القمع.

ويعكس هذا التحليل هشاشة الجبهة الداخلية في مواجهة أي تصعيد خارجي، وهو عامل قد يحسب له الحساب في المعادلة الأمنية.

وبحسب تحليلات، هناك مساعٍ من دول عربية وإسلامية لدفع إطار أوسع للمفاوضات يشمل ضمانات في شأن برنامج الصواريخ ووقف دعم الميليشيات، لكن هذه المساعي تصطدم بالرفض الإيراني القاطع لمناقشة أي ملفات غير نووية.

سيناريوهات الأيام المقبلة

يتضمن السيناريو الأول اختراقاً دبلوماسياً لكنه مستبعد جداً، حيث يتطلب تقديم تنازلات جوهرية من الطرفين لا ترقى إليها المؤشرات الحالية.

فطهران ترفض التخلي الكامل عن التخصيب، وواشنطن تصر عليه.

وحتى لو قدمت إيران تنازلات إضافية في التفتيش أو مستوى التخصيب، فإن تقرير «نيويورك تايمز» يشير إلى أن التقييمات الاستخباراتية لا ترى تهديداً وشيكاً، مما قد يقلل من حاجة الإدارة للاندفاع نحو اتفاق، وقد صرح ترامب نفسه بأن إيران تريد اتفاقاً هذه المرة، قائلاً «لا أعتقد أنهم يريدون عواقب عدم إبرام صفقة».

أما السيناريو الثاني، فيتضمن انهيار المفاوضات واحتواء التصعيد وهو محتمل أيضاً، فقد تفشل المحادثات في جنيف، لكن الطرفين يتراجعان عن حافة الهاوية.

وقد تفرض واشنطن عقوبات إضافية عبر الأمر التنفيذي الجديد الذي يفرض رسوماً جمركية على الدول المتعاملة مع إيران، وتكتفي بزيادة الوجود العسكري كوسيلة ضغط طويلة المدى.

لكن في المقابل، قد تزيد طهران من عملياتها عبر وكلائها بالمنطقة، وتستأنف التخصيب بمستويات أعلى، لكنها تتجنب الضربة المباشرة، وسيكون هذا السيناريو بمثابة «حرب استنزاف بالوكالة» وليس حرباً شاملة.

أما السيناريو الثالث فيشمل انفجار المحادثات واندلاع الحرب وهو محتمل جداً، فمع وصول حاملتي الطائرات الأميركيتين للمنطقة، والوعد الأميركي لدعم ضربات إسرائيلية، والاستعدادات العسكرية الإيرانية، تبدو المنطقة مهيأة للانفجار.

وقال آفي أشكنازي في «معاريف» إن «القرار يقترب»، مضيفاً فشل المفاوضات، خصوصاً إذا صاحبه حادث عرضي، يمكن أن يكون شرارة الحرب.

ضربات متبادلة

في المقابل قد يأت الرد الإيراني على نطاق واسع باستخدام الصواريخ البالستية (التي يصل مداها إلى ألفي كلم «لضرب قواعد أميركية في المنطقة وأهداف في العمق الإسرائيلي.

ومن المتوقع أيضاً فتح جبهات عدة، ومن بينها أن يُشعل «حزب الله» الجبهة الشمالية لإسرائيل، مع تصعيد في الضفة وقطاع غزة وسوريا، في محاولة إيرانية لاستنزاف الجيش الإسرائيلي.

ضرب الاقتصاد العالمي

وقد تسعى إيران لتنفيذ تهديدها بإغلاق مضيق هرمز، ولو بشكل موقت، مما سيحدث صدمة في أسواق النفط العالمية ويشكل ضغطاً هائلاً على الاقتصاد الأميركي.

وستكون الأيام المقبلة الأكثر حسماً في تاريخ الصراع بالشرق الأوسط. فالجميع يترقب جنيف، لكن الأنظار تتجه نحو المنطقة، حيث البوارج الحربية، ونحو تل أبيب وواشنطن حيث القرار.

وبين المطرقة الأميركية والسندان الإسرائيلي، تقف إيران تختبر حدود المرونة، فيما يقف العالم على حافة الهاوية يترقب: هل يسقط الجميع في الهاوية، أم ينجح أحدهم في اللحظة الأخيرة في سحب البساط من تحت أقدام الحرب؟