تحول تطبيق «واتساب» من وسيلة تقنية ثورية كانت تهدف إلى تقريب المسافات وتسهيل التواصل الفوري بين البشر إلى عبء رقمي ثقيل يلتهم الوقت والجهد ويستنزف الطاقات الذهنية، حيث باتت الرسائل المتلاحقة التي لا تتوقف تمثل نوعاً من الضجيج الإلكتروني الذي يفتقر في كثير من الأحيان إلى القيمة الحقيقية أو الاحترام المتبادل لوقت المتلقي وخصوصيته.
ويرى العديد من المحللين الاجتماعيين وخبراء السلوك الإنساني أن سهولة الإرسال المفرطة أدت إلى تراجع جودة المحتوى المتبادل، ما جعل المنصة ساحة للمجاملات الفارغة والرسائل العشوائية التي لا تهدف إلا لخدمة رغبة المرسل في التخلص من فكرة عابرة تخطر بباله دون أدنى مراعاة لحالة الطرف الآخر أو انشغالاته المهنية والشخصية الضاغطة.
هذه الظاهرة السلبية التي يصفها البعض
بـ «الأنانية الرقمية» تتجلى بوضوح في إرسال رسائل صوتية طويلة جداً ومملة بدلاً من الكتابة المختصرة والمفيدة، ما يضع عبء الاستماع والتحليل والرد على عاتق المتلقي الذي قد لا يملك ترف الوقت، أو في إغراق المجموعات بنقاشات جانبية تافهة لا تعني الغالبية العظمى من الأعضاء الموجودين. وبناءً على ذلك، أصبح من الضروري جداً إعادة النظر في «إتيكيت» التواصل الرقمي عبر هذه التطبيقات، خاصة وأن الشعور الدائم بالالتزام بالرد السريع يولد ضغطاً نفسياً مستمراً يؤدي في نهاية المطاف إلى الاحتراق الرقمي وفقدان القدرة على التركيز في المهام العميقة التي تتطلب هدوءاً ذهنياً وصفاءً فكرياً بعيداً عن الرنين المستمر للهواتف.
ومن زاوية تحليلية أخرى، فإن الاعتماد الكلي وشبه الإلزامي على «واتساب» في بيئة العمل العصرية قد محا الحدود الفاصلة بين الحياة الخاصة والمهنية بشكل مرعب، إذ يجد الموظف نفسه مطالباً بالرد على استفسارات المدير أو الزملاء في أوقات متأخرة من الليل أو خلال عطلات نهاية الأسبوع المقدسة، وهو ما يفرغ مفهوم «الراحة» من مضمونه الإنساني تماماً. ومع تزايد عدد الرسائل التي نتلقاها يومياً والتي قد تصل للمئات، يصبح من المستحيل تقريباً تصنيف ما هو مهم ومستعجل وما هو مجرد هدر للوقت، ما يضطرنا في كثير من الأحيان إلى تجاهل الجميع أو الغرق في بحر متلاطم من الإشعارات التي لا تنتهي أبداً وتسبب تشتتاً مزمناً.
ومن أجل استعادة السيطرة المفقودة على مساحتنا الرقمية والخاصة في هذا العالم الصاخب، ينبغي علينا اتباع استراتيجيات واضحة وحازمة للتعامل مع هذا التدفق الهائل، لاسيما وأن:
• وضع حدود زمنية واضحة وصارمة لاستخدام التطبيق خلال اليوم يساعد بشكل كبير وملموس في تقليل مستويات القلق والتوتر المرتبطة بضرورة التواجد الدائم والرد اللحظي عبر الإنترنت.
• تفعيل خاصية كتم التنبيهات للمجموعات غير الضرورية أو تلك التي تفتقر للتنظيم يقلل من التشتت الذهني ويسمح للمستخدم بالتركيز على أولوياته الكبرى دون انقطاع مستمر ومزعج.
• اختيار الوسيلة المناسبة لكل نوع من أنواع التواصل، مثل استخدام البريد الإلكتروني للرسائل الرسمية أو المكالمات الهاتفية المباشرة للمواضيع العاجلة، يحد من الفوضى العارمة التي يخلفها تراكم الرسائل القصيرة.
وختاماً، فإن التكنولوجيا الحديثة يجب أن تظل دوماً أداة لخدمة الإنسان وتطوره لا وسيلة لاستعباده واستنزاف طاقته النفسية والبدنية، ما يستوجب علينا جميعاً التحلي بوعي أكبر تجاه كيفية استهلاكنا لهذه الأدوات وتأثيرها العميق على جودة حياتنا وعلاقاتنا الإنسانية التي يجب أن تقوم على العمق والصدق والاحترام المتبادل وليس على مجرد تبادل الإشارات الرقمية الباردة والرسائل الجاهزة التي تفتقر إلى الروح.