اتجاهات

إيران - إسرائيل وإعادة رسم موازين القوى في الإقليم

16 فبراير 2026 10:25 م

يشكّل التوتر بين إيران وإسرائيل أحد أبرز محددات البيئة الأمنية في الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة، فالعلاقة بين الطرفين لم تقتصر على الخلاف السياسي أو الخطاب المتبادل بل تطوّرت إلى نمط من المواجهة غير المباشرة اتخذ أشكالاً عسكرية وأمنية متعددة، وأسهم في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. ويلاحظ أن هذا الخلاف يجري في إطار حسابات دقيقة تحاول تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع استمرار اختبار حدود الردع بين الجانبين.

تعتمد إسرائيل في مقاربتها الأمنية على منع أي تموضع عسكري تعتبره مهدداً لأمنها

لا سيما في الساحات القريبة من حدودها، وفي هذا السياق نفذت عمليات استهداف محدودة ضد مواقع مرتبطة بإيران في بعض الدول المجاورة. في المقابل، تبنت إيران سياسة توسيع نفوذها الإقليمي من خلال علاقات وتحالفات مع قوى غير دولية في عدد من الساحات العربية سواءً في لبنان والأراضي الفلسطينية، العراق وسوريا وينظر إلى هذا الامتداد بوصفه جزءاً من رؤية إيرانية لتعزيز موقعها التفاوضي والإقليمي.

المواجهة بين الطرفين تتخذ في الغالب طابعاً غير تقليدي يشمل ضربات محدودة النطاق ورسائل عسكرية غير مباشرة وعمليات ذات طابع أمني وتقني، فهذا النمط يعكس توجهاً نحو إدارة الصراع ضمن سقف معين من التصعيد، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت معادلة ردع تمنع الطرف الآخر من تغيير قواعد التوازن القائمة ويلاحظ أن هذه المعادلة تتسم بالمرونة، إذ تخضع للتعديل تبعاً لتطورات الميدان وحسابات الأطراف المعنية.

انعكاسات هذا الخلاف تمتد إلى دول الخليج العربي بحكم القرب الجغرافي وتشابك المصالح الاقتصادية والأمنية، فاستقرار أسواق الطاقة، وأمن الممرات البحرية، ومستوى التوتر الإقليمي، جميعها عناصر تتأثر بدرجة التصعيد بين إيران وإسرائيل، كما أن تطور أدوات المواجهة خصوصاً في مجالات الصواريخ والطائرات المسيرة، دفع دول المنطقة إلى إعادة تقييم منظوماتها الدفاعية وتعزيز جاهزيتها لمواجهة تهديدات متنوعة المصادر.

إضافة إلى ذلك، يتداخل هذا الصراع مع حسابات قوى دولية فاعلة في المنطقة، ما يمنحه بعداً يتجاوز الإطار الثنائي فالتوازنات الإقليمية باتت مرتبطة أيضاً بعلاقات الأطراف مع القوى الكبرى وبمدى قدرة هذه القوى على التأثير في مسارات التصعيد أو التهدئة. وبهذا المعنى، أصبح الخلاف الإيراني–الإسرائيلي جزءاً من مشهد أوسع يتعلق بإعادة تشكيل النظام الإقليمي وتوزيع النفوذ داخله.

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن المنطقة تعيش حالة من التوازن الحذر حيث تستمر المواجهة ضمن حدود مدروسة نسبياً مع بقاء احتمالات التصعيد قائمة في حال تغير الحسابات أو توسعت دائرة الاشتباك. وبالنسبة لدول الخليج، يظل التعامل مع هذا الواقع مرهوناً بسياسات تقوم على إدارة المخاطر وتعزيز القدرات الدفاعية، والحفاظ على قدر من الاستقرار في بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من التعقيد.