رغم أنها أبعد دولة عربية عن الجزيرة العربية، فإن جمهورية موريتانيا ظلت متشبثة بلسانها العربي وأصالتها الثقافية، فتُعرَف ببلد المليون شاعر، وأرض المرابطين والمثابرين على ضفاف الأطلسي، حيث يمتزج عبق التاريخ بامتداد الصحراء ورحابة البحر.
موريتانيا زاخرة بالموارد الطبيعية، من الحديد والذهب والثروة السمكية، فيما تمضي عجلة التنمية بخطى متأنية، يوازيها إيمان راسخ بأن البناء الحقيقي يبدأ من العقول، وأن تعزيز الهوية الوطنية والانتماء للأرض هو أساس النهوض والاستمرار.
وقد كانت الكويت سبّاقة في مدّ نافذة التعارف، حين خصّصت مجلة العربي عام 1967 مساحة بعنوان «اعرف وطنك أيها العربي»، عبر أول مستطلع للمجلة، اللبناني سليم زبال، للتعريف بموريتانيا. فكانت تلك المبادرة جسراً ثقافياً مبكراً بين المشرق والمغرب. ومع ذلك، وبعد عقود طويلة، لاتزال موريتانيا تغيب عن الذاكرة العربية.
صناعة الأمل
«الراي» كان لها حظ أن تزور الدولة العربية القائمة على ضفاف المحيط الأطلسي في أقصى غرب الوطن العربي والقارة الأفريقية، للمشاركة في الملتقى الدولي السادس للمؤتمر الأفريقي لتعزيز السِّلم، الذي انعقد خلال الفترة من 10 إلى 12 فبراير الجاري، تحت عنوان «أفريقيا وصناعة الأمل... لا يأس من رحمة الله»، بمشاركة واسعة من قادة ومسؤولين وعلماء ومفكرين من مختلف دول القارة الأفريقية وخارجها.
وجاء تنظيم الملتقى بدعوة من منتدى أبوظبي للسِّلم، وبدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة، وتحت رعاية رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية محمد ولد الشيخ الغزواني، وبإشراف علمي من العلامة عبدالله بن بيّه رئيس المؤتمر الأفريقي لتعزيز السِّلم ورئيس منتدى أبوظبي للسلم.
وشهدت الجلسة الافتتاحية حضور عدد من كبار المسؤولين، من بينهم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية الدكتور أحمد التوفيق، والأمين العام المساعد لمنظمة التعاون الإسلامي يوسف الضبيعي ممثلاً للأمين العام للمنظمة، إضافة إلى مبعوث الرئيس التشادي وزير إدارة الأراضي والحكم المحلي المكلف باللامركزية الدكتور أحمد عمر أحمد. كما تم تكريم رئيس جمهورية تشاد محمد إدريس ديبي إتنو، بصفته ضيف شرف الدورة، تقديراً لجهود بلاده في دعم السلم الإقليمي.
مدخل الاستقرار
وأكد البيان الختامي للملتقى أن شعار الدورة يعكس حاجة ملحة لصناعة الأمل، في ظل تنامي مظاهر الإحباط واليأس بين شباب القارة، وما يترتب على ذلك من تطرف وعنف وهشاشة اجتماعية. واعتبر المشاركون أن الأمل ليس قيمة نفسية فحسب، بل طاقة روحية وأخلاقية تؤسس لمسؤولية اجتماعية وسياسية تسهم في الوقاية من النزاعات وتعزيز الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم.
وشدد البيان على أن «صناعة الأمل» مسؤولية مشتركة تبدأ بالفرد والأسرة، وتمتد إلى المؤسسات الدينية والتعليمية والمدنية، مؤكداً قدرة أفريقيا على التحول من ساحة تحديات إلى فضاء للفرص والإنجازات إذا ما تكاملت المقاربات وتضافرت الجهود.
كما أبرز المشاركون أهمية معالجة الأزمات الإفريقية عبر مقاربات شاملة تعالج الجذور العميقة للنزاعات، وتربط بين السلم والعدالة والكرامة الإنسانية، مع جعل التنمية وسيلة عملية لترجمة الرجاء إلى سياسات ومبادرات قابلة للتنفيذ.
وتناول البيان قضايا محورية، من بينها الهجرة غير النظامية، مؤكداً أنها ظاهرة متعددة الأسباب تتجاوز المقاربة الأمنية، وتتطلب الاستثمار في الإنسان وتوفير الفرص والخدمات الأساسية في مناطق الهشاشة. كما شدد على أهمية الأمن المائي بوصفه ركيزة للحياة والسلم ومدخلاً للتعاون الإقليمي، لا سبباً للصراع، داعياً إلى تعزيز آليات التعاون الأفريقي في هذا المجال.
ودعا المشاركون إلى توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في الإنذار المبكر وتحليل النزاعات ودعم المصالحات، مع تعزيز الأمن الفكري الرقمي لحماية الشباب من خطابات اليأس والتطرف.
توصيات
وأوصى الملتقى بجملة من الإجراءات، أبرزها:
- إنشاء شبكة أفريقية لعلماء السلم لدعم الوساطة المجتمعية وإصدار بيانات مشتركة في أوقات الأزمات.
- دعم التربية القيمية والإعلامية والرقمية للوقاية من التطرف.
- تمكين الشباب والنساء وإشراكهم في مبادرات السلم والتنمية.
- إطلاق مبادرة «الاستبقاء الإيجابي» لمعالجة الهجرة غير النظامية عبر التدريب وفرص العمل المحلية.
- تأسيس «مرصد إفريقي لسلم المياه» لرصد مؤشرات التوتر المرتبطة بالموارد المائية.
- إعداد «الميثاق الأفريقي لصناعة الأمل» خلال عام، بوصفه وثيقة استرشادية تُعرض في الدورة المقبلة.
- اعتماد آلية متابعة سنوية لقياس التقدم في تنفيذ التوصيات.
- تعزيز دور الإعلام التقليدي والرقمي في نشر خطاب الأمل، ومكافحة التحريض وخطابات الكراهية.
وفي ختام أعماله، أعرب المشاركون عن شكرهم للجمهورية الإسلامية الموريتانية قيادةً وحكومةً وشعباً على كرم الاستضافة، ولرئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني على رعايته الكريمة، كما توجهوا بالشكر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وجميع الشركاء والداعمين والمنظمين.
وأكد البيان التزام المشاركين بمواصلة العمل المشترك لتحويل «صناعة الأمل» إلى مسار مؤسسي قابل للقياس والمتابعة، بما يعزز الاستقرار والتنمية في القارة الأفريقية.