المنطقة الحرة

معاناة طلبة الطب – جامعة القاهرة (القصر العيني)

15 فبراير 2026 09:15 م

تواصل معي عدد من طلبة الطب البشري الدارسين في جامعة القاهرة – مستشفى القصر العيني، والذين تخرجوا في نوفمبر 2024، إلا أنهم حتى اليوم لم يتسلّموا شهاداتهم من وزارة التعليم العالي!

لا خلاف أن لكل مهنة دورها في خدمة المجتمع، لكن مهنة الطب ليست مجرد وسيلة للرزق، بل رسالة إنسانية سامية تُجسّد الأمل في مواجهة الألم، وتمنح الحياة طمأنينة وثقة. وكل يوم يُقيَّد فيه الطبيب عن أداء رسالته بسبب تعقيدات إجرائية، هو يوم تُحرم فيه المجتمعات من طاقته التي أنفقت الدولة عليه، وأنفق هو وأسرته من أعمارهم وأموالهم، ليكون في موقع الخدمة والعطاء.

المشكلة -بحسب ما وصلني- لا تقتصر على دفعة 2024، بل هي أزمة متكررة منذ سنوات، تتعلق بإجراءات بيروقراطية مرتبطة بسفارة الكويت في مصر والجهات المعنية، ففي حين يتمكن الطالب المصري من مباشرة حياته المهنية فور تخرجه، يبقى الطالب الخليجي عالقاً لأشهر طويلة، قد تتجاوز عاماً كاملاً، منتظراً شهادة تخرجه، بل ومضطراً للسفر مجدداً ومراجعة الجامعة والملحق الثقافي والتعليم العالي بنفسه لإنهاء معاملات يفترض أن تُنجز إدارياً دون عناء.

الأمر الأكثر إثارة للاستغراب أن طلبة طب الأسنان من الجامعة نفسها تسلموا شهاداتهم في منازلهم بالكويت خلال أقل من شهرين! ما يطرح تساؤلاً مشروعاً: لماذا هذا التفاوت؟ وأين الخلل؟

ومن زاوية أخرى، أين سياسة «الباب المفتوح» في وزارة التعليم العالي؟ عدد من الطلبة حاولوا الحصول على موعد مع معالي الوزير لعرض معاناتهم، فقيل لهم إن ذلك يتم عبر تطبيق «سهل». تقدّم أحدهم بطلب في أبريل 2024، وحتى اليوم لم يُحدَّد له موعد... وخلال هذه المدة تزوّج الشاب ورُزق بمولود، بينما لايزال موعد المقابلة قيد الانتظار!

والمفارقة المؤلمة أن الطبيب الذي يفترض أن يكون وسيطاً بين الدواء والمريض، أصبح وسيطاً لتخليص المعاملات، يؤدي عملياً أدوار جهات عدة في آن واحد؛ دور وزارة التعليم العالي، ودور موظفي السفارة، ودور الملحقية الثقافية. فقد طُلب من الخريجين مخاطبة الملحق الثقافي مباشرة، إلا أن الرسائل -بحسب إفاداتهم- لا تجد رداً، ما يضطرهم إلى السفر مجدداً إلى مصر أو الاستعانة بزميل هناك ليتواصل هاتفياً مع موظفي السفارة، مترجياً منهم فتح البريد الإلكتروني لاعتماد الموافقات وإرسالها إلى التعليم العالي... ومع ذلك تبقى المعاملات معلّقة بلا حسم.

الطلبة يعيشون حلقة مفرغة من الإجراءات؛ بلا رواتب إعانة، ويتحمّلون مع أسرهم تكاليف السكن والسفر والفنادق والمواصلات بين الكويت ومصر لمراجعة معاملات يفترض أن تكون إلكترونية ومنجزة سلفاً، خصوصاً أن وزارة التعليم العالي نفسها هي الجهة المبتعثة والمصدّقة على تاريخ القبول والتخرج. ومع ذلك يُطلب منهم تقديم إفادات ومعلومات صادرة أصلاً من الجهات ذاتها!

إن استمرار هذا التعطيل لا يسيء للطلبة وحدهم، بل يضر بسمعة المنظومة التعليمية والابتعاثية، وهو أمر لا يرضي المسؤولين في مصر الحبيبة، ولا وزارة التعليم العالي، ولا الملحقية الثقافية.

المطلوب اليوم تحقيق عاجل وشفاف يوضح أسباب تأخر تسليم شهادات خريجي الطب من جامعة القاهرة، ومحاسبة أي تقصير إداري، ووضع آلية واضحة تضمن عدم تكرار هذه المعاناة مع دفعات قادمة. فالمسألة ليست أوراقاً مؤجلة... بل هي مستقبل أطباء مؤجل يحتاجهم الوطن.

[email protected]