«اللقاء، خلافاً لسابقيه، كان شاذاً في طقوسه، غامضاً في نتائجه، وصاخباً في صمته»، بهذه الكلمات وصف المحلل السياسي أريئيل كهانا، مراسل الشؤون السياسية في صحيفة «إسرائيل اليوم»، الاجتماع السابع لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع دونالد ترامب، مساء الأربعاء في واشنطن، منذ بداية ولاية الرئيس الأميركي الثانية في يناير 2025.
وأوضح كهانا في تحليله «أحد لم يعد يحصي كم مرة التقى ترامب ونتنياهو منذ 2016. لكن إذا كان ثمة شيء ما ميز اللقاء بينهما الأربعاء، وهو شاذ جداً بالنسبة لكل ما عرفناه في الماضي، فهو الإبقاء في الظل الذي كان للقاء».
وتساءل «لماذا هذا الصمت المفاجئ؟ ولماذا اختفى نتنياهو عن الأضواء التي طالما بحث عنها»؟ وأجاب بأن «هذا الظل لم يكن اعتباطياً، بل بدا وكأنه اتفاق ضمني بين الجانبين على خفض البصمات الإعلامية، وإبقاء النقاش الإستراتيجي بعيداً عن عدسات الكاميرات وأسئلة الصحافيين».
من جهتها، قالت ليزا روزوفسكي، مراسلة صحيفة «هآرتس» في واشنطن، إن اللقاء الذي كان مقرراً في الأسبوع المقبل تم تبكيره بناءً على طلب عاجل من نتنياهو. ونقلت عن مصدر مطلع في الوفد الإسرائيلي أن «رئيس الحكومة شعر بأن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في عُمان تتجه نحو منحدر خطير، ورأى أن التدخل المباشر على أعلى مستوى هو السبيل الوحيد لإنقاذ الموقف».
لا قرار نهائياً... ولا مؤتمر صحافياً
وفي منشور له على منصة «تروث سوشيال» عقب انتهاء اللقاء، قال ترامب «كان لقاء جيداً جداً، العلاقات العظيمة بين الدولتين مستمرة. لم يتقرر أي شيء. أنا أصررت على استمرار المفاوضات مع إيران».
وأضاف في تصريح مكتوب: «أوضحت لرئيس الوزراء أن أميركا تفضل اتفاقاً مع إيران. إذا لم يكن بالإمكان التوصل إليه فسنضطر إلى رؤية ماذا ستكون النتيجة».
وذكّر بالمرة السابقة التي رفضت فيها إيران الاتفاق: «حينها تمت مهاجمتهم، وهذا لم يكن جيداً بالنسبة لهم».
ونقلت روزوفسكي عن بيان صادر عن مكتب نتنياهو أن الزعيمين ناقشا «المفاوضات مع إيران، قطاع غزة، والتطورات الإقليمية».
وجاء في البيان «رئيس الحكومة أصر على الاحتياجات الأمنية لدولة إسرائيل في سياق المفاوضات، واتفقا على استمرار التنسيق والاتصال الوثيق بينهما».
لكن اللافت، كما أشار كهانا، أن ترامب لم يفتح المكتب البيضوي للأسئلة، ولم يعقد مؤتمراً صحافياً. وأضاف «رئيس الوزراء هو الآخر فرَّ تقريباً من الأضواء. لم تُجرَ إحاطة للإعلام الإسرائيلي، بل حتى لم تُعقد لقاءات مع الإعلام اليميني الأميركي الذي لم يفوت أي فرصة ابداً للظهور أمامه».
وعلّق كهانا: «كل هذا ينضم إلى الغائية شبه الجافة للزيارة: أقل من 30 ساعة على الأراضي الأميركية».
القرار الوحيد المعلن... انضمام نتنياهو إلى "مجلس السلام»
فقبل دقائق من دخوله المكتب البيضوي، وقع نتنياهو على انضمام إسرائيل الرسمي إلى المحفل التأسيسي لـ«مجلس السلام»- الخطة الأميركية لإدارة قطاع غزة بعد الحرب.
وقال دبلوماسي غربي مطلع، في تصريح خاص لكهانا، فضل عدم الكشف عن هويته:«لا تخطئوا، هذا اللقاء كان انعقاداً آخر لمجلس الحرب. نتنياهو وترامب تحدثا عن الحرب مطولاً، وهذا ما يفسر لماذا استمر اللقاء أكثر مما خطط له».
القرار غير المعلن: حاملة طائرات ثانية في طريقها إلى الخليج
وكشفت روزوفسكي نقلاً عن تقرير حصري لصحيفة«وول ستريت جورنال»، أن البنتاغون تلقى تعليمات بالاستعداد لتحريك حاملة طائرات أميركية ثانية نحو منطقة الشرق الأوسط.
وقال مسؤول أميركي رفيع المستوى للصحيفة، طلب عدم ذكر اسمه:«الرئيس ترامب لم يعطِ أمراً رسمياً بعد، والخطط مازالت قابلة للتغيير. لكن الاستعدادات جارية على قدم وساق، وحاملة الطائرات ستحتاج إلى أسبوعين على الأقل لتكون جاهزة للإبحار».
وأكد محلل الشؤون العسكرية في شبكة«سي إن إن»جيم سكيوتو، في تغريدة له، أن«تحريك حاملة طائرات ثانية إلى الخليج ليس إجراءً روتينياً. هذه رسالة إستراتيجية واضحة إلى طهران: الخيار العسكري ليس مجرد تهديد نظري».
ماذا دار خلف الأبواب المغلقة؟
في مقابلة خاصة مع قناة «إيران إنترناشيونال» التي تبث من لندن، كشف السناتور الجمهوري جون كينيدي عن بعض ما دار في اللقاء.
وقال إن «الرئيس ترامب سيفي بتعهداته للشعب الإيراني. لكن هذا يتطلب إستراتيجية حذرة، وليس أعمالاً متهورة».
وأضاف «المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية التي عرضها رئيس الوزراء نتنياهو على الرئيس ترامب في اللقاء ستوضح بدقة ما الإمكانيات العملياتية القابلة للتنفيذ. إسرائيل لديها قدرات مذهلة، والتنسيق بيننا وبينهم في أفضل حالاته».
وعلّق كهانا على هذه التصريحات بالقول: «عندما نربط الأقوال بالرسائل العلنية والمسربة للإدارة، فإن الاستنتاج المتكرر هو أن عملية أميركية ضد إيران ليست مسألة هل، بل مسألة متى».
وفي السياق، نقلت باربرا سلاتفين، مراسلة «وول ستريت جورنال»، عن مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى رافق نتنياهو في الزيارة، ان «رئيس الوزراء أوضح بكل وضوح أن أي اتفاق لا يتضمن تقييداً صارماً لبرنامج الصواريخ البالستية الإيراني هو اتفاق أسوأ من العدم. إيران تنتج الآن مئات الصواريخ شهرياً، وهي قادرة على ضرب أي هدف في المنطقة».
وأضاف «قلنا للأميركيين: إذا أعدتم تدفق مليارات الدولارات إلى الخزينة الإيرانية عبر رفع العقوبات، ثم تركتموهم يحتفظون بترسانتهم الصاروخية، فأنتم تمولون عدونا المشترك وتمنحونه غطاءً سياسياً لمواصلة تطوير أسلحة تهدد العالم بأسره».
وكشفت صحيفة «نيويورك تايمز»، في تقرير أعده مراسلها للشؤون الدبلوماسية إدوارد وونغ، عن انقسام حاد داخل الإدارة الأميركية في شأن الملف الإيراني.
ونقل وونغ عن مسؤول رفيع المستوى في البيت الأبيض أن «الرئيس ترامب محاصر بين تيارين متعارضين. تيار يريد توجيه ضربة عسكرية الآن، وينتظر فقط الضوء الأخضر. وتيار آخر، بقيادة نائب الرئيس جي دي فانس، يعتبر أن أي حرب جديدة في الشرق الأوسط هي انتحار سياسي قبل انتخابات التجديد النصفي».
وأضاف المسؤول ان «ترامب نفسه يميل إلى الصفقة، أي صفقة، لأنها تمنحه صورة المنتصر الدبلوماسي. لكن إيران لا تمنحه هذه الصفقة، وإسرائيل تضغط بقوة لحرق أي اتفاق لا يلبي مطالبها».
طهران تفضل الحرب على الاستسلام
ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن محلل الشؤون الإيرانية علي واعظ أن «المرشد الأعلى (السيد علي) خامنئي يعتقد أن أي تنازل تحت الضغط الأميركي سيفتح شهية واشنطن لمزيد من المطالب. هو يفضل خوض حرب على أن يظهر بمظهر الضعف. النظام الإيراني يرى في المرونة تفكيكاً ذاتياً».
وأضاف واعظ «الإيرانيون يشاهدون ما حدث للرئيس الأوكراني (فولوديمير) زيلينسكي في لقائه الأخير مع ترامب. هم يستنتجون أن واشنطن لا تحترم إلا من يقف على قدميه. الاستسلام لا يمنحك احتراماً، بل يمنحك قائمة مطالب جديدة».
وعلّق دبلوماسي غربي في طهران، تحدث لـ «واشنطن بوست» شريطة عدم الكشف عن هويته: «الإيرانيون يستعدون للحرب، وليس للاتفاق. هم يحصون أيامهم حتى يحين موعد الضربة المحتملة، ويثقون بقدرتهم على الصمود ثم فرض شروطهم في مرحلة ما بعد الهجوم».
لماذا حرب أخرى؟
وفي مقال لاذع نشرته صحيفة «هآرتس»، تساءل المحلل والكاتب البارز جدعون ليفي «إذا كانت عملية - شعب كالأسد - ناجحة جداً، فلماذا نحن بحاجة إلى حرب أخرى؟ وإذا كانت فاشلة، فلماذا نعتقد أن عملية أخرى ستحقق نتائج أفضل»؟
وكتب «الرواية الإسرائيلية الرسمية تصف العملية التي نُفذت قبل سبعة أشهر بأنها ضربة هستيرية. قالوا لنا: المشروع النووي الإيراني تضرر، وتم القضاء على كبار المسؤولين عنه، وتم تدمير نظام الدفاع الجوي بالكامل تقريباً، وتعرض برنامج الصواريخ البالستية لضربة شديدة وتم تدمير نصفه. 900 هدف في 1500 طلعة جوية حققت لإسرائيل إنجازات كبيرة».
وأضاف ليفي بسخرية مريرة: «مع ذلك، لم يمر إلا سبعة أشهر، ويتعين علينا شن هجوم آخر. إذا كانت هذه هي الحال بالفعل فإن - شعب كالأسد - لم تحقق أي شيء».
وتابع نقده البارد، «ليس بالضرورة أن تكون محباً للسلام أو يسارياً من أجل التشكيك في ضرورة حرب أخرى ضد إيران. هناك حالات تكون فيها الحرب محتومة، وفي حالات أخرى نادرة تزيد فيها فائدتها على تكلفتها. ولا يبدو أن الهجوم الأميركي على إيران يندرج في هاتين الفئتين».
وعدد التكاليف «صواريخ على مستشفى سوروكا، مصفاة النفط، مقر وزارة الدفاع، معهد وايزمن، وتدمير آلاف الوحدات السكنية».
ثم سأل «ومقابل ماذا؟ مقابل ما خرجنا به من الجولة السابقة: لا شيء تقريباً، لا شيء».
وأشار ليفي بقلق إلى ما وصفه بـ «العمى الإسرائيلي الجماعي»: «الرأي العام في إسرائيل يؤيد الحرب ضد إيران. ولم يشكك أي سياسي شجاع في إسرائيل بجدوى ذلك. إسرائيل تريد الحرب بكل قوة وبكل ثمن مهما كلف الأمر».
وختم «اسأل أي إسرائيلي عما يريده وسيقول لك بأن تقوم الولايات المتحدة بالهجوم، حتى مع معرفته باحتمالية أن تتعرض إسرائيل للضرب. ما الذي سيعتبر نجاحاً لنتنياهو في لقائه مع ترامب؟ هو نجاحه في دفع الولايات المتحدة للحرب. وما الذي سيعتبر فشلاً؟ هو نجاح ترامب في التوصل إلى الاتفاق، حتى لو بشروط مثالية».
ترامب يريد صفقة... لكنه لا يثق بإيران
وكتب المحرر الدبلوماسي لـ «وول ستريت جورنال» ديون نيسنباوم، في تحليل معمق: «الرئيس ترامب محاصر في زاوية ضيقة. هو وعد ناخبيه بأنه سيخرج أميركا من حروب الشرق الأوسط، لا أن يجرها إلى حرب جديدة. لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يبيع ناخبيه صفقة تترك إيران قادرة على تهديد إسرائيل وحلفاء أميركا في الخليج».
وأشارت باربرا ستار، مراسلة الشؤون الأمنية في شبكة «سي إن إن»، إلى أن نتنياهو ناقش مع ترامب أيضاً خطة إدارة السجون الإسرائيلية لتنفيذ عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، المعروفة إعلامياً باسم «الميل الأخضر الإسرائيلي».
ونقلت عن مسؤول أميركي أن «الإدارة الأميركية لم تُبدِ اعتراضاً رسمياً على هذه الخطة. الموقف الرسمي هو أن هذا شأن إسرائيلي داخلي، طالما أن الإجراءات تتوافق مع المعايير القانونية الأساسية».
وأضافت: «لكن مصادر في وزارة الخارجية أعربت عن قلقها من أن تنفيذ مثل هذه العقوبات سيثير غضباً فلسطينياً وعربياً واسعاً، وقد يؤجج الأوضاع في الضفة الغربية».
ونقلت «وول ستريت جورنال» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى، أن «نافذة الفرصة تضيق. كل شهر يمر، إيران تنتج مئات الصواريخ وتعزز تحصيناتها النووية. التأجيل ليس في صالحنا».
الاتفاق الهجين... ترامب يبحث عن مخرج
وكتب ديفيد إغناتيوس، عمود الشؤون الخارجية في «واشنطن بوست»: «ترامب يريد اتفاقاً. أي اتفاق. لكنه يريد اتفاقاً يبدو أفضل من اتفاق (باراك) أوباما. إذا استطاع المبعوثان (ستيف) ويتكوف و(جاريد) كوشنر، انتزاع تجميد نووي مرحلي من إيران، فسيبيعه ترامب كـ - انتصار عظيم - وسيؤجل ملف الصواريخ والوكلاء إلى مرحلة لاحقة».
وأضاف «السؤال هو: هل يقبل نتنياهو بهذا السيناريو؟ وهل تملك إسرائيل أصلاً خيار الاعتراض إذا أصرت أميركا على مسارها»؟
ورجح محلل الشؤون الإستراتيجية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى،دينيس روس، في تحليل نشره المعهد، أن السيناريو الأكثر ترجيحاً للأشهر القادمة هو استمرار حالة «اللا حرب ولا السلام».
وقال «ترامب لا يريد حرباً في سنة انتخابية. إيران لا تريد حرباً لأنها تعلم أنها ستخسر. إسرائيل وحدها لا تستطيع شن حرب بهذا الحجم دون غطاء أميركي كامل. إذن الجميع عالقون في غرفة انتظار طويلة».
وأضاف «المشكلة أن غرفة الانتظار هذه ليست مجانية. إيران تنتج صواريخ، وإسرائيل تعد خطط هجوم، وأميركا تبني تحالفات. الجمود ليس استقراراً. الجمود هو حرب باردة مسلحة حتى الانفجار».
اللقاء السابع... نهاية عهد الصفقة السهلة
وكتب كهانا في ختام تقريره «إذا كان الاثنان تحدثا حقاً عن الحرب - فهذا بالتأكيد يشرح طول الحديث بينهما إلى ما يتجاوز ما خطط له».
اللقاء السابع بين نتنياهو وترامب، الذي بدا للوهلة الأولى بارداً، صامتاً، وخالياً من النتائج، كان في الحقيقة ساخناً، ثرثاراً، ومليئاً بالقرارات المؤجلة.
اللقاء السابع لم يقرر الحرب... لكنه أعلن نهاية عهد الصفقة السهلة.
ما تبقى الآن هو سباق مع الوقت بين:
- الخيار الدبلوماسي الذي يريده ترامب لكنه لا يستطيع تحقيقه بالشروط التي يريدها.
- الخيار العسكري الذي تريده إسرائيل لكنها لا تستطيع تنفيذه وحدها.
- خيار الانتظار الذي تفضله إيران لأن الوقت في صالحها... ما لم يعد الوقت في صالح أحد.
في اللقاء الثامن، الذي قد لا يبعد كثيراً، لن يكون هناك «صمت صاخب».
سيكون هناك كلام فاصل.