خواطر صعلوك

ضغط الكتابة و«السُكر» الحلال!

12 فبراير 2026 10:00 م

نحن جيل «يتامى» الثقافة، جيل بلا «أسطوات» كبار يعلموننا الصنعة... تعلمنا الكتابة كما يتعلم الطفل المشي، بالوقوع والقيام، بالكدمات والجروح، وبالتجربة والخطأ، وبتجاوز الخطوط الحمراء والعودة للمربع الآمن، وبكثير من «اللت والعجن» الذاتي، وبكثير من ملاحظات الراسخون في العلم في جريدة «الراي» ولأننا كذلك، فنحن في حاجة دائمة لأن نختلس النظر إلى طريقة الكبار، لعلنا نفهم كيف تتحول الفكرة في رؤوسهم إلى نص ينبض بالحياة.

في الأسبوع الماضي، قادني القدر إلى كتاب بديع، كتاب تشعر وأنت تقرأه أنك تجلس في «المعمل السري» لكاتب حقيقي، لا لمدعٍ يبحث عن «اللايكات». الكتاب هو «ضغط الكتابة وسُكْرها» للروائي السوداني الكبير أمير تاج السر، عن دار الساقي، وهو ليس كتاباً للنظريات النقدية المملة التي تصيبك بالحموضة، بل هو بوح حميم عن الوجع واللذة في مهنة المتاعب الجميلة.

العنوان وحده حكاية، «ضغط الكتابة وسُكرها». تاج السر، هنا يضع يده على الجرح والبلسم في آن واحد. الكتابة ليست نزهة، وليست مجرد «إلهام» ينزل عليك وأنت تشرب القهوة في البلكونة أو في أي مقهى كما يتخيل الرومانسيون... ولا في منتديات المبدعين وورش الكتابة... الكتابة «ضغط»؛ ضغط الفكرة التي ترفض الخروج، ضغط اللغة التي تتمرد عليك، ضغط الخوف من الصفحة البيضاء. لكنها في المقابل تمنحك «سكراً» حلالاً؛ نشوة الخلق، ولذة أن ترى عالماً كاملاً يولد من بين أصابعك.

يقول تاج السر، في جملة تزن ذهباً «حين لا أكتب أشعر أني خارج الزمن». وهنا تكمن الحالة الوجودية للكتابة، لأنها عزيزي القارئ ليست مهنة لأكل العيش، بل هي مبرر للحياة نفسها.

ما يجعل أمير تاج السر، مبدعاً، هو طريقته في «الصيد» فهو لا يكتب من الكتب والقراءات السابقة، بل يكتب من «لحم الحياة».

عينه كاميرا لا تنام، تلتقط تفاصيل لا يراها غيره... نظرة مريض في عيادته (بحكم عمله كطبيب)، نبرة سائق تاكسي غاضب، رائحة بائع الشاي في شوارع الخرطوم. هذه «الخردة» اليومية هي الخامة التي يصنع منها أدبه الرفيع. هو يمارس ما يسميه «الواقعية الحسية»؛ حيث الخيال ليس هروباً من الواقع، بل هو «إعادة تدوير» ذكية له لكي نفهمه بشكل أعمق.

في زمن «الترافيك» والكتابة من أجل «الترند»، يأتي أتاج السر، ليعلمنا درساً في الأخلاق الأدبية، ويقول بوضوح «حين أكتب ما لا يخصني، أشعر أن النص يلفظني».

الإبداع عنده ليس «فهلوة» ولا محاولة لإرضاء النقاد المتحذلقين أصحاب القوالب الجاهزة لكل النصوص... الإبداع هو أن تكون صادقاً مع نفسك أولاً. أن تكتب وجعك، وهواجسك، وأسئلتك الحارقة. عندما تفعل ذلك، سيصدقك القارئ، لأن الناس تشم رائحة «الزيف» على بعد ميل.

وهذه نقطة موجعة للكسالى أمثالنا... أمير تاج السر، رغم موهبته الفذة، يؤمن أن «الكتابة تحتاج إلى عرق أكثر من الإلهام»... هي «صنعة» تحتاج لتدريب يومي، ولانضباط حديدي... وهنا لا يجلس في الصومعة...، بل يمسك الفأس ويحفر في الأرض كل يوم، سواء كانت الأرض لينة أو صخرية... هذا هو الفرق بين «الهاوي» المزاجي وبين «المحترف» الملتزم... أو كما قال عادل إمام هذا هو الفرق بين المحترف والحريف.

ولا ينسى تاج السر، أن يأخذنا إلى «مختبره» الأثير ووطنه الحبيب السودان. تلك البلاد الغنية بالتناقضات، حيث الوجع يختلط بالسخرية، والفقر يختلط بالكرم... لكنه لا يكتب عن السودان كفولكلور محلي، بل يكتبه كمرآة للإنسان في كل مكان. يجعلك ترى نفسك، وأنت في القاهرة أو بيروت أو الكويت، في ملامح أبطاله السودانيين. وهذا هو سحر الأدب الحقيقي... أن يجعل «المحلي» كونياً... تماماً مثلما فعل نجيب محفوظ وإبراهيم أصلان.

هذا الكتاب ليس دليلاً مدرسياً يعلمك «كيف تكتب رواية في 3 أيام» بل هو كتاب يعلمك كيف «تعيش» ككاتب، والأهم هو أنه يعلمك أن الكتابة فعل مقاومة ضد العدم، وأن الألم الذي تعصره في كلماتك هو الوقود الذي يضيء الطريق للآخرين.

عزيزي القارئ، إذا كنت تريد أن تدخل «درويشاً» في حضرة الكتابة، فعليك أن تقبل شروطها القاسية... الضغط والسُكر الحلال، الوجع والنشوة، العرق والدهشة... والتواضع يا صديقي... وإلا... فدع القلم، وابحث لك عن «حرفة» أخرى أرحم وأكثر ربحاً!

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.