سافر إلى ذاتك

شبح التقدم في العمر

11 فبراير 2026 10:00 م

نخاف من العمر كما لو أنه خصم يتربّص بنا، بينما هو في الحقيقة سجلّ انتصاراتنا. نسميه «شبح التقدم»، لأنه يزورنا في المرآة فجأة، في خطٍ رفيع حول العين، أو في تعبٍ لا يزول بسرعة كما كان. لكنه ليس شبحاً مخيفاً، بل ظلّ خبرةٍ تراكمت، ووعيٍ نضج، وقلبٍ تعلّم.

العمر ليس رقماً يسحب من رصيد الجمال، بل يضيف إلى عمق الحضور. في العشرينات نبحث عن أنفسنا. في الثلاثينات نثبت أقدامنا. في الأربعينات نفهم اللعبة. في الخمسينات نتصالح. وفي كل مرحلة، هناك جمالٌ خاص لا يتكرّر. حيث الخوف من التقدم في العمر غالباً لا يتعلق بالسنّ ذاته، بل بفكرة الفقد: فقدان الشباب، الطاقة، الفرص، أو الإعجاب. لكن ما يحدث فعلياً هو انتقال: من طاقة الاندفاع إلى طاقة الاختيار، من العفوية غير المحسوبة إلى الحكمة الهادئة، من محاولة إرضاء الجميع إلى احترام الذات.

في علم النفس الإيجابي يشير إلى أن الرضا عن الحياة لا يسير بخط مستقيم؛ كثير من الدراسات يبيّن أن الشعور بالمعنى والاستقرار العاطفي يرتفع في الأربعينات والخمسينات مقارنة ببداية الشباب. لأننا نتعلم أن نُفلتر العلاقات، ونضع حدوداً، ونختار معاركنا بعناية.

وفي كل عمر... جماليات خاصة به

في العشرينات: جمال الجرأة. أن تخطئ وتتعلم بلا خوف.

في الثلاثينات: جمال البناء. أن ترى تعبك يتحول إلى إنجاز.

في الأربعينات: جمال النضج. أن تعرف من أنت، وماذا تريد، وماذا لم تعد تقبل به.

في الخمسينات وما بعدها: جمال السلام الداخلي. أن تعيش خفيفاً من الضجيج.

فالجمال في كل مرحلة ليس في ملامح الوجه فقط، بل في اتساع الروح. بعض الوجوه تصبح أكثر إشراقاً كلما تقدم بها العمر، لأنها لم تعد تمثل دوراً، بل تعيش حقيقتها.

وأخيراً، يبقى هناك مهارة يجب أن تعلمها وهي كيف نستمتع بالعمر بدلاً من مقاومته؟ الإجابة تكون في أن نغيّر لغتنا الداخلية. لا نقول «كبرت»، بل «نضجت». لا نقول «فاتني القطار»، بل «اخترت محطة مختلفة».

أن نهتم بالجسد كرفيق رحلة، لا كعدو. حركة خفيفة يومياً، نوم كافٍ، طعام واعٍ.

أن نستثمر في المعنى، لا المظهر فقط. العلاقات العميقة، الرسالة، الأثر.

أن نتعلّم شيئاً جديداً في كل مرحلة؛ التعلم يبقي العقل شاباً مهما تغيّر الجسد.

أن نسمح لأنفسنا بالفرح دون تأنيب، وبالهدوء دون شعور بالذنب.

التقدم في العمر ليس تناقصاً... بل هو انتقال من مرحلة الاندفاع إلى مرحلة الإدراك. من سؤال «كيف أُعجبهم؟» إلى سؤال «هل هذا يشبهني»؟

حين ننظر إلى أعمارنا كرحلة لا كعدّاد، نكتشف أن كل سنة لم تكن خصماً، بل كانت طبقة إضافية من القوة. الشبح يختفي عندما نضيء عليه نور الامتنان.

وختاماً،

العمر ليس ما يسرقنا... بل ما يُعرّفنا.

تحياتي.