من الخميس إلى الخميس

صعود الأقليات إلى السلطة في العالم العربي

11 فبراير 2026 10:00 م

يثير صعود بعض الأقليات إلى مواقع النفوذ في عدد من الدول العربية، يثير تساؤلاتٍ متزايدة حول دور الغرب والقوى الإقليمية في هذا التحول، وحدود تدخله في تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة، فهل كان هذا الصعود نتيجة تفاعلات داخلية طبيعية، أم ثمرة دعم خارجي مدروس؟ دعم يخدم مصالح إستراتيجية بعيدة عن خطاب حقوق الإنسان أو الدفاع عن فئة، ذلك الخطاب الذي أصبح يُرفع كغطاء سياسي.

تاريخياً، اعتمدت القوى الاستعمارية، لا سيما بريطانيا وفرنسا، على إدارة التنوّع داخل المجتمعات العربية بطريقة تضمن السيطرة بأقل كلفة، ففي سوريا خلال الانتداب الفرنسي، جرى الاعتماد على أبناء أقليات دينية ومناطقية في تشكيل الجيش وأجهزة الأمن، وهو ما ترك أثراً عميقاً في بنية الدولة لاحقاً، حيث تحوّل النفوذ العسكري إلى بوابة للسلطة السياسية بعد الاستقلال.

وفي العراق بعد عام 2003، أعاد الاحتلال الأميركي هندسة النظام السياسي على أسس طائفية وعرقية واضحة، فجرى تقاسم السلطة وفق الانتماءات لا الكفاءة أو المواطنة، ما أدى إلى تضخيم دور مكوّنات بعينها بدعم مباشر من القوى الغربية والقوى الإقليمية، وانتهى الأمر إلى إضعاف الدولة وتعميق الانقسام المجتمعي وتشكيل ميليشيات مسلحة داخل الدولة.

أما في لبنان، فقد كرّس النظام السياسي، منذ نشأته الحديثة، مبدأ المحاصصة الطائفية؛ ورغم أن هذا النموذج قُدّم باعتباره ضامناً للتوازن، إلا أنه فتح الباب لتدخلات خارجية دائمة، حيث تحوّلت الطوائف إلى قنوات نفوذ إقليمي وفقدت الدولة قدرتها على إنتاج سلطة وطنية مستقلة، وأصبح في الدولة أحزاب مرتبطة بالخارج، مما ساهم بالانهيار الاقتصادي وإفشال الدولة.

وفي السودان قبل الانفصال، استُخدمت قضايا الأقليات العرقية والدينية كورقة ضغط غربية مستمرة، انتهت بدعم مسار الانفصال تحت غطاء حقوق الإنسان، دون معالجة حقيقية لجذور الأزمة، ما ترك دولة منقسمة ومجتمعاً مثقلاً بالصراعات.

حتى في ليبيا بعد 2011، أُعيد فتح ملف الأقليات والهويات المحلية في سياق التدخل الغربي، ليس لبناء دولة جامعة، بل لإدارة الصراع وتوازن القوى، الأمر الذي ساهم في إطالة أمد الفوضى وغياب الدولة المركزية.

هذه الأمثلة لا تعني أن الأقليات كانت دائماً مستفيدة أو شريكة في القرار، بل على العكس، فقد كانت في كثير من الأحيان ضحية لا أداة، وأصبحت بعض تلك المكونات تشكل هاجساً لبقية المكونات مما أعطاها بُعداً سلبياً داخل وطنها.

وفي عصرنا الحالي دأبت القوى الخارجية على التعامل مع نُخبٍ محددة ضمن الأقليات أو المكونات الفئوية، مقابل ضمان ولاء سياسي طويل الأمد، وهذا ما رأيناه أخيراً من تدخل سياسي مباشر في الشؤون المحلية اللبنانية مثلاً ومن تدخل عسكري سافر من الكيان الإسرائيلي في الشؤون السورية بحجة حماية الأقليات.

المشكلة إذاً، لا تكمن في مشاركة الأقليات في الحكم، فذلك حق مشروع في أي نظام عادل، بل في توظيف هذا الوجود سياسياً بدعم خارجي، بما يخلق شعوراً دائماً بعدم التوازن والظلم، ويحوّل التنوع من مصدر غنى إلى وقود صراع.

إن الخروج من هذا المأزق لا يكون عبر شيطنة الأقليات أو تبرئة الخارج بالكامل، بل ببناء دولة المواطنة المتساوية، حيث لا تُستخدم الهوية بوصفها سلعة سياسية، ولا تُستدعى العواصم الأجنبية لتكريس حكم الداخل؛ عندها فقط، يسقط منطق «الحماية» وتستعيد المجتمعات العربية قدرتها على إدارة تنوّعها بقرار سيادي مُستقل.