نووي إيراني وصاروخي متعدد الجبهة... عزل سياسي إقليمي وتردد أميركي متزايد

التحول الجيوسياسي حول الملف الإيراني... نتنياهو أمام مأزق إستراتيجي رباعي الأبعاد

10 فبراير 2026 11:45 م

- التوافق الظاهري بين واشنطن وتل أبيب يخفي تبايناً جوهرياً في الإدراك الإستراتيجي
- نتنياهو يطير إلى واشنطن وفي حقيبته أوراق ممزقة
- إسرائيل تجد نفسها في أضعف موقف إستراتيجي منذ عقود

تشهد الأسابيع الأولى من فبراير 2026 تحولاً جيوسياسياً عميقاً في الشرق الأوسط، حيث يتبلور تحالف إقليمي غير مسبوق، يهدف إلى منع أي حرب أميركية - إيرانية، ويدفع بقوة نحو حل تفاوضي.

هذا التحول، المُدعوم بشكل ضمني من واشنطن، يُضعف الموقف التفاوضي والعسكري الإسرائيلي، ويُعيد رسم حسابات القوة في المنطقة، مما يضع حكومة بنيامين نتنياهو أمام مأزق استراتيجي رباعي الأبعاد: نووي إيراني، صاروخي متعدد الجبهة، عزل سياسي إقليمي، وتردد أميركي متزايد.

وتشير تحليلات نُشرت في موقع «بوليتيكو»، إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب، رغم خطابها المتشدد، تتبنى مقاربة براغماتية تقوم على «الضغط الأقصى للحصول على صفقة أفضل».

ووفقاً لمصدر رفيع المستوى في البيت الأبيض، فإن ترامب يريد «إنجازاً واضحاً» قبل نهاية ولايته، سواء كان تفكيكاً كاملاً للبرنامج النووي أو اتفاقاً دراماتيكياً يُظهر تفوقه التفاوضي.

لكن المصدر نفسه أشار إلى أن «الحرب الخاطفة ليست على الطاولة حالياً»، بسبب تقديرات استخباراتية أميركية، نُشرت خلاصتها في «ذا ناشيونال إنترست»، تؤكد أن أي ضربة عسكرية ستؤدي إلى تصعيد إقليمي فوري يشمل هجمات صاروخية مكثفة من «حزب الله» والحوثيين على القواعد الأميركية وحلفائها، وإغلاق مضيق هرمز، ما سيتسبب بارتفاع جنوني في أسعار النفط وتقويض الاقتصاد العالمي قبيل الانتخابات الأميركية النصفية.

الفجوة الإستراتيجية

ويكشف مقال تحليلي في مجلة «فورين أفيرز» بعنوان «The Limits of the U.S.-Israel Alliance on Iran» أن التوافق الظاهري بين واشنطن وتل أبيب يخفي تبايناً جوهرياً في الإدراك الإستراتيجي. فالولايات المتحدة ترى في إيران تحدياً يمكن إدارته ضمن سياق المنافسة مع الصين وروسيا، بينما تراها إسرائيل تهديداً وجودياً مباشراً.

كما أن واشنطن، وفق التحليل، تعتبر أن «مشكلة إسرائيل الكبرى ليست طهران، بل التصدعات الداخلية والمأزق السياسي الذي يمنعها من صياغة رد استراتيجي موحد».

الشعور بالعزلة

وتشير تقارير لصحيفة «كالكاليست» الإسرائيلية، نقلاً عن اجتماعات مغلقة لهيئة الأركان العامة، إلى أن الجيش الإسرائيلي مستنفر على أعلى مستوى، مع تحديث خطط هجومية ضد آلاف الأهداف النووية والعسكرية الإيرانية.

لكن مصادر عسكرية رفيعة المستوى أعربت عن «تشاؤم حذر» من قدرة الضربة العسكرية، حتى الأميركية، على تأخير البرنامج النووي لأكثر من 3 - 4 سنوات، في حين أن الانتقام الإيراني عبر وكلائه سيكون «مكلفاً وغير متناسب».

وأضاف أحد الجنرالات في الاحتياط، حسب ما نشرت «واينت» (القناة الثانية الإسرائيلية)، أن «المعركة الحقيقية ليست في منشأة ناتانز (النووية الإيرانية)، بل في النقب والجليل. يجب أن نكون مستعدين لآلاف الصواريخ يومياً».

انقسام حاد وغياب الرؤية

وفي تعليق لافت على الصفحة الأولى من صحيفة «يديعوت أحرونوت»، كتب المحلل السياسي ناحوم برنيعة، ان «نتنياهو يطير إلى واشنطن وفي حقيبته أوراق ممزقة: لا حرب أميركية، ولا تفاهم مع العرب، ولا حل في غزة، ولا ائتلاف حكومي مستقر».

ويسلط المقال الضوء على الانقسام داخل الحكومة بين «المتشددين» بقيادة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذين يطالبون بضربة عسكرية أحادية الجانب إذا فشلت المفاوضات، و«المحتاطين» بقيادة وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذين يحذرون من مغامرة قد تخلق جبهات قتال متعددة، لا قبل لإسرائيل بها في ظل استنزافها من حرب غزة.

«جبهات المقاومة»

غزة

وتشير مصادر في «مركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار» (فلسطين) إلى أن قيادة «حماس» في غزة تُدرك أن أي حرب أميركية - إيرانية ستُعطيها هامش مناورة أكبر، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن يؤدي أي اتفاق إلى تخلي طهران التدريجي عن دعمها.

في المقابل، تستفيد الحركة من الجمود السياسي الإسرائيلي لإعادة بناء أنفاق الهجوم وتكديس الصواريخ. وفي السياق، تؤكد تقارير من «ديبيكافايل» (موقع استخباراتي إسرائيلي) أن «حماس أعادت بناء ما لا يقل عن 40 % من قدرتها الصاروخية، مستفيدة من الأنفاق».

لبنان

في تحليل لمعهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، يؤكد الباحثون أن «حزب الله» يمتلك أكثر من 150,000 صاروخ ودقة تصويب متطورة، ويُعتبر العامل الأكثر تردداً في قرار إسرائيل بشن حرب على إيران. ويشيرون إلى أن الحزب في «حال تأهب قصوى»، وأن أي ضربة إيرانية ستكون إشارة لبدء قصف مكثف يشمل البنية التحتية الحيوية الإسرائيلية. مع ذلك، فإن التحليل يرى أن الحزب، تحت ضغط الأزمة الاقتصادية اللبنانية، لا يريد حرباً شاملة إلا إذا استُهدف وجوده مباشرة.

الحوثيون

وتعتبر واشنطن، وفق «مركز كارنيغي للسلام الدولي»، أن الحوثيين هم «أكثر وكلاء إيران فعالية في تعطيل المصالح الأميركية». قدرتهم على استهداف الناقلات وإغلاق باب المندب، يجعلهم ورقة ضغط رئيسية لإيران في المفاوضات.

ويشير إلى أن الحوثيين لن يتوقفوا عن عملياتهم إلا بضمانات سياسية بمنحهم دوراً في الحكم المستقبلي لليمن.

سيناريوهات محتملة ومآلات خطيرة

1 - الأكثر ترجيحاً: صفقة أميركية - إيرانية جزئية وعزل إسرائيلي

يؤدي الضغط الإقليمي والتردد الأميركي إلى توقيع «اتفاق إطار» يجمد البرنامج النووي الإيراني موقتاً ويوسع التفتيش، لكنه يتجاهل إلى حد كبير ملفي الصواريخ ودعم الوكلاء. هذه الصفقة، التي سيُحتفل بها في واشنطن كإنجاز دبلوماسي، ستترك إسرائيل وحيدة في مواجهة التهديدات غير النووية، وتُعمق شعورها بالخذلان، وقد تدفعها نحو إجراءات أحادية محفوفة بالمخاطر.

2 - خطير ومحتمل: ضربة إسرائيلية منفردة وحرب إقليمية محدودة

في حال انهيار المفاوضات وشعور إسرائيل باليأس، قد تقدم على ضربة جوية محدودة ضد منشآت نووية إيرانية، باستخدام مقاتلات «إف - 35» والصواريخ بعيدة المدى. الرد الإيراني سيكون محدوداً ومحسوباً (قصف مكثف من حزب الله، هجمات صاروخية من الحوثيين)، في حرب استنزاف تطول لأشهر من دون تدخل أميركي مباشر، مما يفتح حقبة جديدة من عدم الاستقرار الإقليمي.

3 - غير مرجح حالياً: حرب شاملة وكارثة إقليمية

في حال قرر ترامب، تحت ضغط داخلي أو بسبب حادث مفاجئ، خوض الحرب، ستشهد المنطقة صراعاً وجودياً ستخرج منه جميع الأطراف خاسرة بدرجات متفاوتة، مع تدمير البنى التحتية لدول عدة، وانهيار الاقتصاد العالمي.

إسرائيل اليوم، ورغم قوتها العسكرية المتفوقة، تجد نفسها في أضعف موقف إستراتيجي منذ عقود. فالمبادرة الدولية والإقليمية انتقلت منها إلى تحالف عربي - تركي ناشئ وإلى إدارة أميركية تبحث عن مخرج تفاوضي.

هذا الواقع يفرض على القيادة إعادة نظر عميقة في استراتيجيتها الوطنية، والبحث عن شراكات إقليمية جديدة بعيداً عن منطق القوة الخالص، في وقت لم تعد فيه الضربات العسكرية الوقائية تحمل ضمان النجاح أو البقاء من دون عواقب مأسوية.