كشف فريق بحثي متعدد الجنسيات عن آلية بيولوجية جديدة وغامضة، حيث تمكن من اكتشاف أن بعض أنواع البكتيريا التي تعيش في أمعاء الإنسان قادرة على إطلاق هياكل مجهرية تشبه «الحقن» لاختراق جدران الخلايا البشرية وحقن بروتينات بداخلها مباشرة. هذا الاكتشاف يغيّر الفهم العلمي لكيفية تفاعل الميكروبيوم مع جسم المضيف، وقد يفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض وتطوير علاجات مبتكرة.
وأجرى البحث علماء في ألمانيا والولايات المتحدة، ورصدوا هذه الآلية في بكتيريا من نوع «المطثية» وغيرها من البكتيريا الشائعة في الجهاز الهضمي. ووجدوا أن هذه البكتيريا تستخدم نظام إفراز معقداً يشبه «إبرة نانوية» مصغرة، تسمح لها بنقل جزيئات بروتينية محددة عبر الغشاء الخارجي للخلية المعوية من دون تدميرها. وكان الاعتقاد السابق أن التواصل بين البكتيريا وخلايا الإنسان يتم عبر جزيئات إشارية تفرز خارج الخلية.
وفي الآتي أبرز النتائج التي أسفر عنها البحث:
• آلية تشبه الحقن البكتيري: تشبه هذه الآلية الأنظمة التي تستخدمها بكتيريا معينة مسببة للأمراض (مثل «السالمونيلا») لإلحاق الضرر بالخلايا، لكن الغريب أن البكتيريا المعوية المفيدة أو المحايدة تمتلكها أيضاً، ما يشير إلى أن الهدف قد يكون تنظيماً أو تواصلاً وليس هجوماً بالضرورة.
• تأثير محتمل على الصحة والمرض: يُعتقد أن البروتينات المحقونة يمكن أن تؤثر على عمليات خلوية حيوية، مثل التمثيل الغذائي، والاستجابة الالتهابية، وحتى التعبير الجيني. وقد يفسر هذا الاكتشاف كيف تؤثر بكتيريا الأمعاء بشكل مباشر وعميق على صحة المضيف، وربطها بحالات مثل السمنة والسكري وأمراض المناعة الذاتية.
• أفق جديد للعلاجات: فهم هذه الآلية بدقة قد يمهد الطريق لتطوير علاجات جديدة، مثل تصميم «حقن نانوية» علاجية تحمل أدوية مباشرة إلى خلايا معينة، أو هندسة بكتيريا بروبيوتيك قادرة على توصيل جزيئات علاجية مباشرة داخل الخلايا المعوية لعلاج أمراض محددة.
وحذر الباحثون من أن العمل لا يزال في مراحله الأولى، ولا يزال الغرض البيولوجي الدقيق لهذه الآلية وتأثيراتها الصحية الكاملة تحت الدراسة. ومع ذلك، يمثل هذا الاكتشاف نقلة نوعية في علم الميكروبيوم، مؤكداً أن علاقتنا مع تريليونات الميكروبات التي تعيش فينا أكثر تعقيداً واتصالاً مباشراً مما كنا نتخيل. إنه يفتح باباً واسعاً لاستكشاف هذا التفاعل الجزيئي الحميم وتوظيفه لصحة الإنسان في المستقبل.