لم يكن الهدف من الاجتماع الأول بين الولايات المتحدة وإيران في مسقط، التوصل إلى اتفاق، بل كان بمثابة فرصة لطهران لتقييم مدى جدية واشنطن في مساعيها الدبلوماسية، أو ما إذا كانت تمارس ضغوطاً جديدة فحسب.
وقد اقتصرت المحادثات الإيرانية على تخصيب اليورانيوم، لا سيما مستوياته والتحقق منه ومراقبته. واستُبعدت الصواريخ والتحالفات الإقليمية والعقيدة الدفاعية.
إن تحديد طهران لأولوياتها أمرٌ مقصود، إذ تعتبر المفاوضات النووية قابلة للإدارة نظراً لإمكانية تعديلها أو التراجع عنها مقابل مكاسب اقتصادية ملموسة. ومازال رفع العقوبات ووقف ممارسة أقصى الضغوط على إيران هدفيها الرئيسيين.
ويُطرح التخصيب كأداة ضغط، مرتبطة بالسيادة الوطنية والتقدم التكنولوجي والمرونة الاقتصادية، لا كخطوة حتمية نحو التسلح. ويؤكد المسؤولون الإيرانيون ضرورة أن يُقر أي اتفاق بوجود برنامج نووي مدني، وأن يُعيد سلطة المراقبة الشاملة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
قبل لقاء مسقط، أشارت التصريحات الأميركية إلى أهداف أوسع، بما في ذلك وقف تخصيب اليورانيوم وفرض قيود على الصواريخ وتحديد شراكات إيران. ومع ذلك، ركزت المحادثات الأولية على الملف النووي، بينما أكدت إيران أن برنامجها الصاروخي غير قابل للتفاوض وحاسم للدفاع، في حين أن التحالفات الإقليمية مسألة سيادة وليست مفاوضات ثنائية.
جاءت هذه النتيجة مخالفةً لتوقعات إسرائيل. فبينما أولى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الأولوية للقضاء على قدرات إيران الصاروخية وشبكاتها الإقليمية، فإن التركيز المحدود على تخصيب اليورانيوم يقوض نهجها المتشدد.
وعلى عكس إيران والولايات المتحدة، اللتين كانتا على استعداد لحصر المحادثات في التخصيب، ترى تل أبيب أن الضغط العسكري ضروري لمعالجة مخاوفها الأوسع، ما يُبرز اختلافاً جوهرياً بين إسرائيل والمسار الدبلوماسي الحالي. وقد سارع نتنياهو إلى تسريع موعد لقائه الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض، ما يؤكد إلحاح إسرائيل على محادثات مسقط. ويشير تغيير الجدول الزمني إلى قلقها من أن الدبلوماسية قد تتحرك بسرعة كبيرة يصعب معها توجيهها.
وقد عززت المواجهة التي جرت في يونيو 2025 من تصميم إيران. استهدفت الضربات الأميركية والإسرائيلية مواقع نووية، لكنها لم توقف البرنامج النووي أو تمحُ المعرفة التقنية.
قررت طهران أن البنية التحتية قابلة للاستهداف، لكن الخبرة لا يمكن تدميرها. ومازالت الأبحاث والطب وتخصيب اليورانيوم المدني قائمة، مع انفتاح على مراقبة الوكالة الذرية بموجب اتفاق جديد.
تهديد لا فرصة
من وجهة نظر نتنياهو، تُشكل الدبلوماسية الأميركية - الإيرانية تهديداً لا فرصة. فالمحادثات التي تركز فقط على الملف النووي تُهمل القدرات الصاروخية والشراكات والردع، وهي عناصر تعتبرها إسرائيل بالغة الأهمية. ويُشكل هذا الوضع تحدياً لنظرتها إلى إيران باعتبارها حالة طوارئ أمنية عاجلة، لا دولة تخضع لقيود تفاوضية.
حثت تل أبيب، واشنطن على توسيع نطاق المفاوضات، ساعيةً إلى إدراج الصواريخ والشبكات الإقليمية، بينما ترفض طهران هذه الشروط الموسعة. الخلاف إستراتيجي في جوهره: فإسرائيل تُفضل أجندة شاملة باعتبارها ضرورة ملحة، بينما تُصر إيران على عملية ضيقة النطاق ومحدودة تقنياً. وهذا يُبرز انقساماً جوهرياً: فإسرائيل ترى في القضايا العالقة تهديدات مستقبلية، بينما ترى إيران في الأجندة الموسعة تهديداً لسيادتها.
يعكس هذا التباين هدفاً إستراتيجياً أعمق. ينظر الخطاب الإسرائيلي إلى إيران كخصمٍ بنيوي يجب تقويض هياكلها السياسية والعسكرية والمالية. ويتجاوز الهدف مجرد الحد من تخصيب اليورانيوم ليشمل تفكيك قوة طهران، بما في ذلك قدرات الردع والتحالفات والشبكات المالية والتكنولوجية.
ولذا، يُنظر إلى الدبلوماسية التي تُحقق استقرار إيران من دون المساس بهذا الموقف على أنها تُشكّل السياسة الإسرائيلية وسياسات حلفائها. وتجمع هذه الإستراتيجية بين الدعوات لتغيير النظام، وفرض عقوبات أشد، وتكثيف العمليات السرية على مواقع الصواريخ والمواقع النووية، واستهداف التمويل العالمي. كما تعني أيضاً مزيداً من الجاهزية العسكرية وتنسيقاً أوثق بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ويقترح البعض إضعاف استقرار إيران من خلال تحدي وحدتها الداخلية وتفتيتها.
ينتقل جزء كبير من هذه الأجندة من النظرية إلى التطبيق. فقد توسعت العقوبات لتشمل الأنظمة العالمية، وتزايدت العمليات السرية، ويُظهر نشر حاملات الطائرات الأميركية وتكامل الدفاع الصاروخي جاهزية عسكرية، كما تكثف التنسيق بين واشنطن وتل أبيب. وبدلاً من خطة واحدة، تُشكّل هذه الإجراءات حملة ضغط تدريجية متعددة المجالات.
من النظرية إلى التطبيق
ينتقل جزء كبير من هذه الأجندة من النظرية إلى التطبيق. من وجهة نظر طهران، تؤكد هذه التطورات ضرورة أن تبقى الدبلوماسية مركزة ومحدودة تقنياً لتجنب تحولها إلى أداة للتفكيك الإستراتيجي. وتصر على فصل القضايا النووية القابلة للتفاوض عن تلك غير القابلة للتفاوض، كالصواريخ والعلاقات الإقليمية، بينما تسعى إسرائيل إلى مفاوضات شاملة تتناول جميع القضايا. وهذا يُبرز التباين الجوهري: دبلوماسية إيران الدفاعية في مقابل سعي إسرائيل نحو تغيير واسع النطاق.
ومازال توازن القوى الإقليمي شاغلاً رئيسياً. وينظر القادة الإسرائيليون إلى إيران على أنها الركن الأساسي لنظام يُنازع الهيمنة الإسرائيلية. لطالما كان إضعاف إيران عبر العقوبات أو العزلة أو القوة العسكرية هدفاً طويل الأمد. من شأن عملية دبلوماسية تُنعش اقتصاد إيران مع الحفاظ على بنيتها التحتية الرادعة أن تُقوّض الآثار التراكمية لأعوام من العقوبات.
الولايات المتحدة هي المفتاح الآن. لا يُمكن لإسرائيل أن تُخاطر بمواجهات واسعة النطاق من دون دعم أميركي. لذا، ستُحدد خيارات الولايات المتحدة ما إذا كانت الدبلوماسية ستنجح.
يُشير دعم ترامب الحذر لمحادثات مسقط إلى تفضيله المسار الدبلوماسي على الحرب، وما يترتب عليها من تكاليف باهظة.
هذا التباين بنيوي. تتناقض إستراتيجية واشنطن القائمة على التوافق المُتحكم فيه، والتي تسعى إلى احتواء البرنامج النووي الإيراني ومنع الصراع، مع وجهة نظر القادة الإسرائيليين بأن المواجهة ضرورية لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.
بالنسبة إلى نتنياهو، فإن مجرد وجود قناة دبلوماسية يُقلل من استراتيجية التصعيد التي تُفضلها إسرائيل، مما يُبرز التناقض الجوهري بين الحذر الأميركي والحزم الإسرائيلي.
إستراتيجية ذات مسارين
تتبنى إيران استراتيجية ذات مسارين: الانخراط دبلوماسياً في القضايا النووية مع الحفاظ على جاهزيتها العسكرية. يتسم اقتراح طهران بالاتساق، إذ يفرض قيوداً على التخصيب، ويوسع نطاق التحقق، ويعزز الشفافية في تخفيف العقوبات. ومازالت الخطوط الحمراء الإيرانية واضحة: فالصواريخ غير قابلة للتفاوض والتحالفات لا تخضع لموافقة خارجية.
لذا، يمثل اجتماع مسقط أكثر من مجرد تبادل تقني، فهو يكشف عن صراع جوهري في الرؤى الاستراتيجية. تختبر واشنطن قدرة الدبلوماسية على استقرار ملف متوتر، بينما تختبر طهران إمكانية تخفيف العقوبات فعلياً، وتختبر تل أبيب نجاح المفاوضات.
وسيعتمد تقدم الدبلوماسية أو انهيارها على قرارات واشنطن النهائية أكثر من اعتمادها على قرارات طهران أو تل أبيب. فإذا اعتبرت الولايات المتحدة المفاوضات غاية في حد ذاتها، فقد ينشأ مسار مبدئي نحو خفض التصعيد.
في المقابل، إذا استُخدمت المحادثات كوسيلة ضغط متجددة، فسيعود الزخم إلى المواجهة. لم تعد القضية المحورية هي إمكانية الحوار، بل استدامته السياسية في منطقة لايزال فيها الخط الفاصل بين الدبلوماسية والصراع دقيقاً للغاية.