خواطر صعلوك

كيف نتحول من «زبائن» إلى «صيادين»؟!

8 فبراير 2026 10:30 م

تخيل معي عزيزي القارئ! أننا نعيش في «سوق سمك» عالمي ضخم، ولكن بدلاً من الهامور والزبيدي، البضاعة هنا هي «البيانات» و«المعرفة». في هذا السوق، هناك نوعان من البشر: نوع يملك «الشبكة» وأدوات الصيد ويعرف كيف يسحب الرزق من البحر، ونوع آخر -للأسف الشديد- يقف على الشاطئ ينتظر ما يلقيه له الصيادون، أو الأسوأ... يتحول هو نفسه إلى «طُعم» في صنارة الكبار.

هذه الصورة «الكاريكاتورية» قفزت إلى ذهني وأنا أقرأ كتاباً مهماً وثقيلاً بعنوان «المجتمع الشبكي» للمؤلف الخواجة دارن بارني، والذي ترجمه أنور الجمعاوي، المركز العربي للأبحاث...

الكتاب ليس «كتالوغاً» لتعليم الإنترنت، ولا هو قصيدة غزل في التكنولوجيا، بل هو صفعة نقدية تفيقنا من غيبوبة «اللايك والشير»، لتقول لنا بالإنكليزي «المشرمح»: الشبكة ليست مجرد تقنية للتسلية، بل هي منطق جديد يحكم العالم... والسؤال هو من الذي يملك الريموت كنترول؟

فكرة الكتاب المحورية بسيطة ومرعبة في آن واحد... المجتمع في العالم لم يعد يُدار بالطريقة الهرمية القديمة (حكومة تأمر وزراء، ووزراء يأمرون وكلاء، ووكلاء يأمرون مديراً ثم يأمر وموظف ينفذ)، بل يُدار عبر «شبكات» عابرة للحدود؛ شبكات مال، ومعرفة، واتصال.

السؤال الجوهري هنا ليس «هل نستخدم التكنولوجيا أم لا؟» (لأننا نستخدمها غصباً عنا)، بل السؤال هو:

من يملك مفاتيح هذه الشبكة؟

من يضع المعايير؟ من يتحكم في «خوارزميات» الفيسبوك والإنستغرام وغوغل التي تحدد ماذا نرى وماذا نشتري ومن ننتخب؟ الكتاب يقول بوضوح: من يملك الشبكة... يملك السلطة. ومن يقف خارجها، أو يستخدمها بأمية، فهو مجرد «رقم» أو زبون في معادلة الأرباح.

وهنا نأتي لمربط الفرس وللإسقاط المهم على ديرتنا الحبيبة الكويت أدام الله عزها ورفع مجدها... نحن نتحدث ليل نهار عن «كويت جديدة» وعن الخطة الإنمائية الرابعة للتحول نحو «اقتصاد المعرفة»... كلام جميل «ملوش مثيل مقدرش أقول حاجه عنه»، لكن كتاب «المجتمع الشبكي» يضعنا أمام استحقاقات مؤلمة، ويقول لنا «يا جماعة الخير، الموضوع مو بس لابتوب لكل طالب ولا تطبيق حكومي سهل ولا بروتوكولات تعاون».

التحول نحو اقتصاد المعرفة يتطلب تغيير «العقلية» قبل تغيير «الأجهزة»... وإليكم يا سادة «الروشتة» المستخلصة من الكتاب، مترجمة من لغة الأكاديميين.

أولاً: البنية التحتية... ليست فقط «كيبلات»، ففي المجتمع الشبكي، الإنترنت السريع والآمن ليس رفاهية للمشاهدة بدقة 4K، بل هو «طريق سريع للقيمة». إذا كان الطريق مكسراً أو غير آمن، فلن تمر عليه بضاعة المعرفة. الكويت تحتاج بنية رقمية تكون هي العمود الفقري للاقتصاد، وليست مجرد خدمة إضافية.

ثانياً: البيانات... «نفط» القرن الواحد والعشرين، ونحن نملك النفط الأسود، والحمد لله... لكن العالم اليوم يتصارع على «النفط الجديد» البيانات (Data).

هل لدينا سياسة واضحة لملكية البيانات؟ هل نعرف كيف نحمي بياناتنا من النهب الرقمي؟ هل نشجع تبادل البيانات بين الجهات الحكومية لإنتاج قيمة، أم أن كل وزارة تجلس على بياناتها وتعتبرها «سراً حربياً»؟

ثالثاً: البشر ينتقلون من الشهادة إلى المهارة، فالكتاب يتحدث عن أمية شبكية... والأمي هنا ليس من لا يقرأ ويكتب، بل من لا يعرف كيف يحول الاتصال إلى «قيمة».

نحن نخرج آلاف الخريجين بشهادات ورقية، لكن كم واحد منهم يملك مهارات «تحليل البيانات»، أو «الذكاء الاصطناعي»، أو «إدارة المنصات»؟ هؤلاء هم «عملة» المستقبل، وبدونهم سنظل مستهلكين لتكنولوجيا صنعها غيرنا.

رابعاً: الحكومة... والتحول من «شباك» إلى «منصة»، لأن التحول الرقمي الحكومي ليس مجرد تحويل المعاملة الورقية إلى PDF. التحول الحقيقي هو أن تصبح الحكومة «منصة» (Platform)؛ شبكة مترابطة تتدفق فيها المعلومات بسلاسة، وتُبنى القرارات فيها على «تحليل بيانات» دقيق، وليس على «حدس» المسؤول.

خامساً: الثقافة كمحور إنتاج بدلاً من «الفرجة»، لأن أخطر ما في «الثقافة الشبكية» أنها قد تحولنا إلى «زومبي» يستهلك المحتوى التافه 24 ساعة، والتحدي الحقيقي للكويت هو أن تتحول من «سوق استهلاكي» للتطبيقات واليوتيوب، إلى «مركز إنتاج»؛ صناعة محتوى إبداعي، برمجيات، حلول تقنية وأن نكون نحن من يصنع القصة والسردية، لا من يتفرج عليها ويضع «لايك».

أن كتاب «المجتمع الشبكي» يقرع جرس الإنذار، والشبكات توزع الفرص، نعم، لكنها أيضاً توزع «القهر» وتوسع الفجوات بين من يفهم اللعبة ومن «يُلعب به»... فإذا أردنا للكويت اقتصاداً معرفياً حقيقياً، علينا أن نتوقف عن التعامل مع التكنولوجيا كأنها أجهزة كهربائية نشتريها من الغرب، ونبدأ في التعامل معها كبنية قوة ونظام حياة.

والمطلوب باختصار أن نمسك «السنارة» ونتعلم الصيد في بحر البيانات، قبل أن نجد أنفسنا معلبين في «سردين» العولمة! وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

خبر على الهامش:

في توقيت «عبقري» يؤكد كل مخاوف هذا المقال، أعلنت شركة «غوغل» عن إطلاق عصر «التسوق بلا تسوق» عبر بروتوكول (UCP)... باختصار شديد، غوغل تقول لك «لا تتعب نفسك يا مواطن يا مسكين، ولا تبحث في المواقع، ولا تقارن الأسعار... نحن صنعنا لك (وكيلاً ذكياً) يقرر نيابة عنك، يتسوق بدلاً منك، ويدفع من بطاقتك وأنت مرتاح».

يعني باختصار، إذا كنا في المقال نحذر من أن نتحول من «صيادين» إلى «زبائن»، فإن هذا الخبر يبشرنا بأننا سنتحول إلى «محفظة تمشي على قدمين» فقط... الروبوت يقرر، ونحن ندفع... لنصبح أول أمة في التاريخ يُمارَس عليها «الاحتلال الرقمي» وهي تصفق للمحتل لأنه «ريّحها» من عناء التفكير!