فلسفة قلم

لبنان يكتب بيانه الأبيض...

5 فبراير 2026 10:00 م

في موسم اختار فيه اللبنانيون الفرح، تغلبت فيه برودة الثلج على سخونة السياسة، وفرض الاستقرار نفسه، فمن مطار بيروت إلى قمم فاريا ومزار كفردبيان وأرز بشري واللقلوق المكسوة بالبياض، يتشكل مشهد سياحي يكسر الصورة النمطية ويرسم مشهد يقول، بهدوء، ووضوح أن لبنان لا ينتظر اكتمال التسويات السياسية كي يستعيد نبضه، بل يخلق لحظته بنفسه، ويكتب بيانه الأبيض على منحدرات الجبل.

نعم، قد لا يزال الساسة اللبنانيون يبحثون عن حالة اختراق إيجابي في المفاوضات الدائرة مع الولايات المتحدة الأميركية في محاولة لاستكمال حالة الاستقرار النسبي التي أعقبت الحرب الأخيرة، غير أن المفارقة اللافتة أن الاختراق الأوضح لم يكن سياسياً هذه المرة، بل حدث بعيداً عن طاولات التفاوض عبر بوابة مطار رفيق الحريري الدولي الذي استقبل هذا الموسم أعداداً من السياح أضعاف نسب الأعوام السابقة.

عندما تصعد من الساحل إلى الجبل يتبدل المشهد كلياً، ففي جبل لبنان اللون الأبيض حاضر بقوة هناك، في تلك اللؤلؤة البيضاء التي تبرق رغم آلام الحرب تتجمع الجموع الغفيرة من اللبنانيين قبل السياح يتزلجون على المنحدرات بثبات وثقة، وينزلون من القمم العالية وكأنهم يوجهون رسالة مباشرة للواقع ويقولون، ما زلنا قادرين، وما زلنا نختار الفرح.

هذا المشهد لم يعد محلياً فقط، فالكثير من السياح قرروا تجاوز الأخبار السلبية وشدّوا الرحال إلى بيروت ثم اتجهوا إلى قمم فاريا ومزار كفردبيان للاستمتاع بالثلوج وممارسة الأنشطة الرياضية الشتوية في أكبر منتجعات التزلج في الشرق الأوسط، تجربة تجمع بين طبيعة خلابة، وبنية سياحية مهيأة، ومسافة زمنية قصيرة تفصل بين البحر والجبل، وتلك ميزة نادرة لا يملكها سوى لبنان.

لبنان هذا العام بدأ يتنفس الصعداء سياحياً، متكئاً على ما يملكه من مقومات طبيعية وخبرة سياحية متراكمة وتضاريس متنوعة تمنحه تفوقاً شتوياً في المنطقة، وكأن المشهد العام يشي بنهاية رقصة طويلة بين الجليد والنار، نهاية بيضاء تكتب فصلاً جديداً من الاستقرار، لا للبنان وحده، بل لمنطقة الشرق الأوسط بأكملها.

في زيارتي الأخيرة إلى عروس الشرق بدا واضحاً أن لبنان يعرف جيداً كيف يعود، قد يتعثر سياسياً، وقد يطول انتظار الحلول، لكنه حين يقرر أن يفرح، يفعل ذلك بطريقته الخاصة، يعود من بين الثلوج ويستعيد صورته ليذكّر الجميع بأنه، مهما اشتدت الأزمات يبقى بلد الحياة بامتياز.

ودمتم بود.