نجح باحثون متعددو الجنسيات في إحداث طفرة علمية تبدو كما لو كانت جزءاً من الخيال العلمي، حيث استطاعوا هندسة عُضيات خلوية غامضة وراثياً لتتحول إلى أرشيف حي يسجل ويختزن ذكريات وماضي الخلية، لتكون مثل «كبسولة زمنية» مجهرية.
وقاد الفريق، الذي يضم باحثين من «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» (إم آي تي) و«جامعة هارفارد»، العالم البيولوجي الجزيئي «في تشين»، ونجح في استخدام عضيات تسمى «فولتس» أو «المخازن» لالتقاط وتخزين الحمض النووي الريبوزي المرسال، الذي يحفظ سجلاً عن نشاط الخلية في الماضي.
وكان قد تم اكتشاف هذه العضيات الغامضة، التي تعد أكبر جسيمات بروتينية ريبوزية في السيتوبلازم، للمرة الأولى في العام 1986، ولكن وظيفتها البيولوجية الطبيعية الأساسية لاتزال غير معروفة حتى اليوم.
وهذا الغموض لم يمنع الفريق من منحها وظيفة جديدة ثورية، حيث صمم الباحثون نظاماً أطلقوا عليه اسم «تايم فولت»، يمكن تشغيله وإيقافه عن طريق دواء محدد، لالتقاط جزيئات «إم آر إن إيه» ومنعها من التحلل، وهو الأمر الذي يسمح باسترجاعها ودراستها بعد حوالي أسبوع.
ويمثل هذا التطور تقدماً كبيراً عن الطرق التقليدية التي كانت إما تدميرية أو تقدم لقطات ثابتة محدودة، وذلك من الجوانب التالية:
• تسجيل الاستجابات الموقتة: نجح النظام في تسجيل استجابات خلوية موقتة للإجهاد، مثل الصدمة الحرارية ونقص الأكسجين، وذلك من خلال التقاط «إم آر إن إيه» أثناء تعرض الخلايا لهذه الظروف. وهذا يسمح بفهم التغيرات العابرة في نسخ الجينات التي قد تفوتها طرق التسجيل التقليدية.
• محاربة الخلايا السرطانية المقاومة: طبق النظام لفهم ما يسمى «الخلايا المستمرة» السرطانية، وهي خلايا لا تحتوي على طفرات جينية معروفة لمقاومة الأدوية، لكنها تنجو بطريقة غامضة.
مكّن «تايم فولت» الباحثين من تحديد مئات الجينات المفرطة النشاط في هذه الخلايا، وتبين أن بعض أدوية السرطان أصبحت أكثر فعالية عند تثبيط هذه الجينات.
وأوضح الدكتور تشين، في الدراسة التي نشرت في دورية «ساينس»، أن «ترتيب الأحداث الجزيئية أمر بالغ الأهمية لفهم كيفية اتخاذ الخلايا للقرارات والتكيف مع بيئاتها والانتقال بين الحالات».
وأضاف أن قياس تاريخ حياة الخلايا، بما في ذلك الأحداث الجزيئية التي تمر بها بمرور الوقت، يمكن أن يوفر رؤى حاسمة في العمليات التنموية وتطور المرض.
ويعمل الفريق الآن على استخدام هذه «المخازن المهندسة» لفهم كيفية تمايز الخلايا الجذعية إلى أنواع خلوية متخصصة، وهو الأمر الذي يفتح آفاقاً جديدة في بيولوجيا التنمية والطب التجديدي وعلاج الأمراض المعقدة التي تتطور بمرور الوقت، مثل السرطان والأمراض التنكسية العصبية.