كشف تقرير علمي شامل نشرته دورية «نيتشر ريفيوز» عن حقيقة غذائية غائبة عن الكثيرين، وهي أن الفوائد الغذائية للأطعمة نفسها وطريقة تعامل الجسم معها ليست ثابتة طوال الحياة، بل تخضع لتحولات عميقة مع تقدم العمر.
وهذا يعني أن نظاماً غذائياً كان مثالياً في العشرينات قد يصبح غير كافٍ أو حتى غير مناسب في الخمسينات والستينات، ما يستدعي تبني ما يسميه الخبراء «التغذية الديناميكية الشخصية».
وتحدث هذه التغيرات على مستويات فسيولوجية عدة مترابطة، تبدأ من الخلية وتصل إلى عملية التمثيل الغذائي ككل. ومن أبرز التحولات التي رصدها التقرير:
• انخفاض معدل الأيض الأساسي: ينخفض معدل حرق السعرات الحرارية في حالة الراحة بنسبة 3 إلى 5 في المئة كل عقد بعد سن الثلاثين، بسبب فقدان الكتلة العضلية النشيطة والاستعاضة عنها تدريجياً بأنسجة أقل نشاطاً في حرق الطاقة.
• تراجع كفاءة الجهاز الهضمي: تقل إفرازات بعض الانزيمات الهاضمة، وتتباطأ حركة الأمعاء، ما قد يؤثر على امتصاص العناصر الغذائية الأساسية مثل فيتامين «بي 12» والحديد والكالسيوم.
• تغير حساسية المستقبلات الخلوية: قد تصبح خلايا الجسم أقل استجابة للهرمونات مثل الإنسولين، ما يزيد أهمية جودة الكربوهيدرات المتناولة (الكربوهيدرات المعقدة مقابل البسيطة).
• زيادة الحالة الالتهابية الأساسية: يزداد مستوى الالتهاب الخفيف المزمن في الجسم مع التقدم في العمر، ما يجعل مضادات الأكسدة الموجودة في الخضراوات والفواكه أكثر أهمية لمكافحة تلف الخلايا.
وبناءً على هذه التحولات، أوصى التقرير بإعادة توجيه الخيارات الغذائية في منتصف العمر وما بعده نحو:
• بروتين عالي الجودة بكمية كافية: للحفاظ على الكتلة العضلية ووظيفة المناعة. يُفضل توزيعه على الوجبات طوال اليوم.
• ألياف غذائية وفيرة: لدعم صحة بكتيريا الأمعاء النافعة (الميكروبيوم) التي ترتبط بصحة المناعة والدماغ، ولمكافحة الإمساك.
• دهون صحية: مثل أوميغا-3 للمساعدة في تقليل الالتهاب ودعم صحة الدماغ.
• الكالسيوم وفيتامين D: بكميات مدروسة للحفاظ على قوة العظام ومنع الهشاشة.
• شرب سوائل بكميات كافية: حيث تتراجع حاسة العطش مع التقدم في العمر، ما يعرض الشخص للجفاف من دون أن يشعر.
وأكد البروفيسور ماركوس ريتشاردز، أحد معدي التقرير، أن «التغذية في الشيخوخة ليست مجرد تناول كميات أقل. إنها تحول في التركيز من غذاء يدعم النمو إلى غذاء يدعم الصيانة ويقاوم التدهور. والمفتاح هو الكثافة الغذائية: الحصول على أكبر قدر ممكن من العناصر المفيدة من كل لقمة». ويشير إلى أهمية الوقت أيضاً، حيث إن توقيت الوجبات وتوزيع السعرات على اليوم يصبح له تأثير أكبر على تنظيم السكر في الدم ونوعية النوم.
والخلاصة التي يقدمها العلم هي أن وعينا الغذائي يجب أن ينمو ويتطور كما تنمو أجسادنا وتتغير. والاستماع إلى الجسم وإجراء فحوصات دورية لنقص الفيتامينات والمعادن، واستشارة أخصائي تغذية لتصميم خطة شخصية، لم يعد رفاهية بل أصبح ضرورة للتمتع بـ«صحة ممتدة»، حيث تكون سنوات العمر الإضافية سنوات بصحة جيدة ونشاط، وليست مجرد زيادة في العمر الزمني المصحوب بالأمراض المزمنة.