ربيع الكلمات

دافوس 2026... والتقليل من فقدان الوظائف

28 يناير 2026 10:15 م

(إنّ محاولة تطبيق أفكار جديدة بواسطة رجال يعتنقون أفكاراً قديمة هي مضيعة للجهد والوقت).

‏غازي القصيبي

اجتمع قادة من الحكومات وقطاع الأعمال والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية في المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي عقد في منتجع دافوس بجبال الألب السويسرية، لبحث التحديات العالمية والأولويات المستقبلية، وعقد هذا العام في ظل اضطرابات اقتصادية وسياسية كبيرة تحدث حول العالم أشبه بمخاض ونحن في بداياته، وتشمل استمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التوترات بين القوى الكبرى، وتزايد المخاوف من اندلاع مواجهات عسكرية مباشرة بين الدول، والحروب الاقتصادية، ودخول الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات.

واللافت في المنتدى هو حضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي شارك بأكبر وفد أميركي في تاريخ المنتدى، بعد سنة عصيبة اتسمت بالتهديدات الجمركية، والضغط على الحلفاء والكثير من الدول، وتدخلات عسكرية، وأسهمت في تعميق أزمة التعددية الدولية وإضعاف القانون الدولي، حسب ما ذكرت صحيفة «الغارديان».

ولقد حضر ترامب، إلى دافوس بهذا الوفد وهو يشعر بنشوة الانتصار بسبب ما حصل في فنزويلا، التي أدت إلى إزاحة الرئيس نيكولاس مادورو، ووسط طلب ضم جزيرة غرينلاند، لذلك من الواضح أن العالم مصدوم ولا يدري ماذا سيحصل في المستقبل وسط تجاوز القانون الدولي خصوصاً من شخص لا تستطيع أن تتنبأ بما سيفعله.

وألقى الرئيس الفرنسي خطاباً في دافوس وحذّر من عالم بلا قواعد، في ظل تجاهل متزايد للقانون الدولي، داعياً إلى تعزيز التعاون العالمي لمواجهة حال عدم الاستقرار. وألقى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، خطاباً في المنتدى، دعا فيه ما سماها «القوى المتوسطة» إلى الاتحاد في مواجهة الضغوط والإكراه من القوى الكبرى، وقال كارني: «القوى الكبرى بدأت تستخدم التكامل الاقتصادي كسلاح، من الرسوم الجمركية كأداة ضغط، والبنية التحتية المالية كوسيلة إكراه، وصولاً إلى سلاسل الإمداد كنقاط ضعف قابلة للاستغلال».

إنّ ما حصل في دافوس أعتقد من الصعوبة تحليله بشكل دقيق بسبب كثرة المتغيرات في مختلف المجالات، حيث تم تجاوز الكثير من المسلمات خلال الأسابيع والأشهر الماضية، وعادة الكلمات في مثل هذه الملتقيات تكون خفية على ذهن المتلقي، ولكن هذه المرة كان الوضع مختلفاً وانعكست على كلمات الحضور.

ولكن هناك دول قررت المواجهة مثل كندا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، حيث رأت أنه لا مصلحة لها من التضحية بمؤسسات دولية كبرى، كالأمم المتحدة و«حلف شمال الأطلسي»، من أجل بعض المصالح الخاصة.

وأما الجانب الاقتصادي من الاجتماع فقد قلل الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، جنسن هوانغ، من المخاوف المرتبطة بتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، مؤكداً أن المرحلة الحالية تشهد زيادة قوية في الطلب على العمالة الماهرة.

وقال هوانغ خلال حوار مع الرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك»، لاري فينك، على هامش اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، إن الذكاء الاصطناعي ساهم في تأسيس أكبر عملية تطوير للبنية التحتية في التاريخ، ما يحفز الطلب على العمالة في قطاعات مختلفة.

وأوضح الرئيس التنفيذي لصانعة الرقائق الأميركية، أن التوسع في القطاعات الداعمة للذكاء الاصطناعي مثل الرقائق والطاقة والحوسبة، سيضيف فرص عمل واسعة تمتد من الإنشاءات حتى العمليات التشغيلية.

وفي ما يتعلق بالمخاوف من فقدان الوظائف، أكد هوانغ، أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي الوظائف بقدر ما يغيّر طبيعتها، موضحاً أن التقنية تساعد على أتمتة المهام، ما يسمح للعاملين بالتركيز على جوهر عملهم وزيادة إنتاجيتهم.

واستشهد هوانغ بقطاعي الأشعة والتمريض، حيث أسهم الذكاء الاصطناعي في تقليل الأعباء الإدارية، ما أدى إلى تحسن الكفاءة وزيادة الطلب على العاملين بدلاً من تقليصهم.

خلاصة الكلام، أن اجتماع دافوس هذا العام كان استثنائياً بكل المقاييس، سواء من الجانب الاقتصادي أو السياسي، والعالم أصبح في وضع لا يحسد عليه، وكأننا أصبحنا نعيش في زمن القوي سيأكل الضعيف... ولكنها مسألة وقت، وهذا أمر يجب الانتباه له وهو في قمة الخطورة.