لم يعد ما يحدث حول إيران مجرد سيناريو أزمة مُحتمل، بل أصبح مساراً تصعيدياً مُحتملاً من الناحية الهيكلية، متجذراً في استعراضات القوة، وسلوك التحالفات، والضرورات السياسية الداخلية، والفخاخ السردية المُحكمة.
لا يكمن الخطر في حتمية الحرب، بل في أن النظام القائم قد انتقل إلى وضع يُمكن فيه إشعال مواجهة عسكرية واسعة النطاق نتيجة لسوء التقدير، أو الحفاظ على الصدقية، أو الوقوع في فخ السردية، بدلاً من قرار عقلاني بالحرب.
تُحدد ثلاث جبهات متفاعلة الآن بيئة المخاطر: التخطيط القسري الأميركي - الإسرائيلي ضد إيران، خضوع التحالف الأوروبي، وإعادة تقييم الردع الإيراني.
سردية إسرائيلية
أعلن البنتاغون أن إيران تقترب من امتلاك القدرة على إنتاج أسلحة نووية، وأن هذا لن يُسمح به. هذا ليس تقييماً فنياً. إنها خطوة سياسية تهدف إلى تبرير الحشد العسكري وتهيئة الرأي العام العالمي للتصعيد، من خلال إعادة تدوير سردية إسرائيلية مثيرة للذعر عمرها 16 عاماً.
وقد تناقضت هذه السردية مراراً وتكراراً مع تقييمات الاستخبارات الأميركية وعمليات التفتيش التي أجرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ما يتم إحياؤه ليس أدلة جديدة، بل ذريعة قديمة - ذريعة ثبت عدم صحتها، ويتم الآن إعادة توظيفها لتشكيل موافقة على المواجهة.
تتوافق الاستعدادات العسكرية الظاهرة حالياً في جميع أنحاء إسرائيل وشرق المتوسط مع نموذج محتمل للضربة العقابية، وربما مع تصميم حملة قسرية مستدامة. إن إغراق إسرائيل بصواريخ الاعتراض ونشر أصول الدفاع الجوي في قبرص واليونان وغيرهما، ليس مجرد إجراءات دفاعية.
علاوة على ذلك، أكدت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن الولايات المتحدة أرسلت مدمرة مجهزة بأنظمة دفاع صاروخي بالقرب من السواحل الإسرائيلية، ما قد يساعد في صدّ أي هجوم إيراني محتمل.
إنها تمثل بناء بنية درع موزعة تهدف إلى امتصاص الرد الإيراني عبر جبهات عدة مع الحفاظ على التفوق في التصعيد.
لا يكون لهذا الموقف أي جدوى إستراتيجية إلا إذا كان المخططون يفكرون في أكثر من مجرد ضربات رمزية. فالقدرات الإسرائيلية والأميركية الحالية كافية بالفعل لعمليات محدودة ضد منشآت الحرس الثوري الإيراني أو مواقع نووية محددة. وتصبح شبكة اعتراض إقليمية وجاهزية التزود بالوقود جواً في أوروبا ذات أهمية عملياتية عندما يُتوقع تبادل مطول يشمل كميات كبيرة من نيران الصواريخ البالستية وصواريخ كروز، وهجمات مكثفة على البنية التحتية الإسرائيلية، وطلعات جوية أميركية وإسرائيلية متكررة على مدى أيام أو أسابيع.
والأكثر دلالة هو منطق الاستهداف الناشئ. فلم يعد مركز الثقل يقتصر على البنية التحتية النووية فحسب، بل أصبح يشمل إنتاج النفط ومحطات التصدير والمصافي وخطوط الأنابيب ولوجستيات الطاقة. وهذا يُمثل تحولاً من الردع بالعقاب إلى الحرب الاقتصادية بالتدمير.
إضعاف القاعدة
يتماشى هذا المسار مع هدف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طويل الأمد، والذي لا يقتصر على تأخير البرنامج النووي الإيراني فحسب، بل يشمل أيضاً إضعاف القاعدة الاقتصادية الإيرانية وقدرتها على الصمود الإستراتيجي على المدى الطويل. كما يتماشى مع عقيدة واشنطن القسرية، التي تعاملت بالفعل مع الاقتصاد الإيراني كساحة معركة من خلال العقوبات. إن التوسع العملي لهذا المنطق ليس قفزة مفاهيمية، بل هو استمرار للنهج المتبع.
تهدف هذه الحملة إلى انهيار القدرة التصديرية، وزعزعة استقرار الإيرادات المالية، وإحداث صدمة اقتصادية داخلية، وتقويض قدرة إيران على الحفاظ على نفوذها الإقليمي، وإجبارها على الاستسلام عبر التفاوض في ظل ظروف الإرهاق. لن تكون هذه عملية لمكافحة الانتشار النووي، بل ستكون ضغطاً على النظام بالوسائل العسكرية.
أوروبا كعامل تمكين عملياتي
تُعدّ جاهزية التزود بالوقود جواً في أوروبا مؤشراً بالغ الأهمية. فالطائرات المخصصة للتزود بالوقود ليست أصولاً دفاعية، بل هي عوامل مضاعفة للقوة في عمليات الضربات بعيدة المدى. ويُشير تجهيزها إلى أن الجيوش الأوروبية تُهيئ نفسها لتكون عوامل تمكين للحملات الجوية الأميركية والإسرائيلية، حتى وإن لم تُسقط القنابل بنفسها.
ويُحاكي هذا النمط العملياتي الذي شُوهد في العراق وليبيا وسوريا: حيث تُوفر أوروبا إمكان الوصول إلى القواعد، الخدمات اللوجستية، التزود بالوقود والتكامل الاستخباراتي؛ بينما تحتفظ واشنطن وتل أبيب بالقيادة العملياتية؛ وتُوفر القيادة السياسية الأوروبية الغطاء الدبلوماسي وشرعية التحالف.
يُظهر التنافر المعرفي الذي بات جلياً في بعض أوساط الطبقة السياسية الأوروبية، والذي يتجلى في عجزها عن استيعاب حتى الإكراه الأميركي المباشر ضد السيادة الأوروبية في حالات مثل غرينلاند، مدى هيمنة ردات الفعل التلقائية للتحالفات خلال الحرب الباردة على التفكير الإستراتيجي الأوروبي.
فإذا كانت أوروبا تُجهز بالفعل موارد التزود بالوقود، فإن التخطيط للحرب قد تجاوز مرحلة الطوارئ. ويجري حالياً التكامل العملياتي، وتُعطى الأولوية لتماسك التحالف على حساب الاستقلال السياسي. وهذا يجعل المشاركة الأوروبية أمراً مرجحاً من الناحية الهيكلية حتى لو عارض الرأي العام المحلي الحرب بمجرد اندلاعها.
دعم روسيا والصين لإيران
التغيير في المواجهة مع إيران لا يكمن في وجود أنظمة أسلحة جديدة، بل في البيئة الإستراتيجية التي ستعمل فيها القوة العسكرية. لم تعد إيران قوة إقليمية معزولة تواجه الضغوط الغربية وحدها، بل أصبحت جزءاً من منظومة إستراتيجية أوسع غير غربية، تستفيد من التكنولوجيا والعقيدة والتنسيق غير المباشر الصيني والروسي لتعزيز وضعها الدفاعي ورفع تكلفة أي هجوم خارجي. هذا لا يجعل إيران منيعة عسكرياً، بل يجعل التصعيد أكثر خطورة من الناحية الهيكلية، وأطول أمداً، وأكثر تقلباً سياسياً.
إن التحول الجوهري ليس في التفوق التكنولوجي، بل في تضخم تكلفة التصعيد. فقد طورت إيران أنظمة دفاع جوي متعددة الطبقات، ووسعت قدراتها في الحرب الإلكترونية، وعززت بنيتها التحتية القيادية، ونوّعت قواتها الصاروخية بطرق تُعقّد أي تصور لضربة خاطفة. مازال بإمكان حملة أميركية - إسرائيلية حازمة اختراق المجال الجوي الإيراني وإضعاف أهداف رئيسية. لكن ما تغير هو أن القيام بذلك لن يكون مشابهاً لما حدث في العراق أو ليبيا أو سوريا. سيتطلب الأمر حملة إضعاف متواصلة ومطولة، وطلعات جوية متواصلة، وتقبّل الخسائر الملموسة، والردود الإقليمية، ومخاطر التصعيد الخارج عن السيطرة.
هذا الأمر بالغ الأهمية لأن القيد الأساسي على العمل الأميركي والإسرائيلي لم يعد الجدوى العملياتية، بل أصبح انكشافاً سياسياً واستراتيجياً. لن تتطور الحرب مع إيران كعملية عقابية منفصلة، بل ستكون مواجهة استنزاف تكنولوجي، حيث ستتحول الخسائر الجوية، وكثافة الصواريخ، وضعف القواعد، والاضطرابات الاقتصادية بسرعة إلى عوامل مزعزعة للاستقرار السياسي في الداخل وعبر المنطقة. أصبحت عتبة الضرر بالسمعة، وانهيار التحالفات، وردات الفعل الداخلية أقل بكثير مما كانت عليه في حروب الشرق الأوسط السابقة.
تغيير سيكولوجية الردع
في الوقت نفسه، أدى اندماج إيران في بيئة إستراتيجية صينية - روسية أوسع إلى تغيير سيكولوجية الردع، حتى وإن لم يُفضِ إلى اندماج عملياتي سلس. لا تُشكّل أجهزة الاستشعار الصينية، وتكنولوجيا الدفاع الجوي الروسية، وأنظمة القيادة الإيرانية شبكة قتالية موحدة، لكنها تُشكّل عاملاً مُضاعفاً للردع. تزيد هذه التطورات من حالة عدم اليقين، وتقلل من ثقة الغرب في التصعيد، وتجعل السيطرة المبكرة على ساحة المعركة أقل ضماناً. هذا الغموض وحده يُغير حسابات صنع القرار في واشنطن وتل أبيب، بغض النظر عن وجود تكامل تقني كامل.
لا يقتصر هذا التضاعف في قوة الردع على الحرب التقليدية، بل يمتد الآن إلى مجال المعلومات والاتصالات. فقد أفادت التقارير بأن تقنيات الحرب الإلكترونية ومكافحة الفضاء الروسية والصينية مكّنت طهران من تحديد وتعطيل اتصالات «ستارلينك» عبر الأقمار الاصطناعية، وهو نظام اعتبرته وكالات غربية عدة منيعاً عملياً. بمجرد أن حجبت الدولة الإيرانية الوصول إلى الإنترنت الأرضي، أُجبرت محطات «ستارلينك» على التفعيل وبث إشارات قابلة للتحديد للحفاظ على الاتصال. وقد أتاح هذا الكشف تحديد مواقع المستخدمين، ورسم خرائط لعقد الاتصالات السرية، وتحييد المحطات أو الاستيلاء عليها.
لا تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا التطور في أن «ستارلينك» أصبح عديم الفائدة، بل في أن افتراض التفوق المطلق للاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية قد تهاوى. لقد أثبتت إيران قدرتها على منافسة الطبقة الرقمية للحرب، فضلاً عن الطبقة المادية. يقوّض ذلك في شكل مباشر توقعات الغرب بأن شبكات الأقمار الاصطناعية قادرة على العمل كقنوات خلفية آمنة للتعبئة الداخلية، أو تنسيق المعلومات الاستخباراتية، أو تقديم الدعم العملياتي السري أثناء الأزمات.
ويترتب على ذلك عملياً أن الهيمنة على التصعيد لم تعد مضمونة. فالولايات المتحدة وإسرائيل تحتفظان بقوة عسكرية ساحقة، لكنهما لم تعودا تتمتعان بميزة عدم التكافؤ في التصعيد. بات في إمكان إيران الآن فرض تكاليف باهظة، لا يمكن احتواؤها بسهولة، ولا يمكن تجاهلها سياسياً. وهذا يحوّل المواجهة من منطق الردع العقابي إلى منطق الضعف المتبادل في ظل ظروف غير متكافئة.
لا يُفضي هذا إلى جمود استراتيجي، بل إلى تحوّل هيكلي في الردع. فالحرب مازالت ممكنة، لكن ما تغيّر هو أنها ستكون أطول وأكثر تعقيداً، وستنتشر على نطاق إقليمي واسع، وستُلحق ضرراً سياسياً بالغاً بجميع الأطراف. هذا الواقع يُقيّد العمل ليس لأن إيران أصبحت منيعة عسكرياً، بل لأن ثمن الإكراه قد ارتفع إلى مستوى يُقوّض جدواه السياسية.
المعضلة الإستراتيجية الإيرانية
تواجه إيران معضلة الردع غير المتكافئ الكلاسيكية. فاستهداف القواعد الأميركية في المنطقة، ينطوي على تكاليف دبلوماسية واستراتيجية باهظة.
في المقابل، يُحقق تركيز القوة النارية على إسرائيل أهدافاً عدة في آن واحد. فهو يُحافظ على رواية إيران بأن هذه حرب دفاع ضد عدوان إسرائيلي، ويُبقي التصعيد في إطار ثنائي لا متعدد الطرف، ويُعظم الأثر النفسي والسياسي داخل إسرائيل نفسها، ويختبر صمود المجتمع، وليس فقط قدراته العسكرية.
يتماشى هذا مع عقيدة الصواريخ الإيرانية المتطورة، التي انتقلت من الردع الرمزي إلى القدرة على إظهار قوة نارية هائلة. الهدف ليس إبادة إسرائيل عسكرياً، بل جعل تكلفة المواجهة المستمرة باهظة في شكل واضح للمجتمع الإسرائيلي والنخب السياسية.
3 أسباب هيكلية
من وجهة نظر طهران، إسرائيل هي مركز الثقل، والقواعد الأميركية فخاخ للتصعيد. هناك ثلاثة أسباب هيكلية تجعل إيران تُعطي الأولوية لإسرائيل على المنشآت الأميركية:
أولاً، السيطرة على التصعيد. تريد طهران تجنب منح واشنطن المبرر القانوني والسياسي لحرب شاملة. إن قتل أعداد كبيرة من الأفراد الأميركيين في شكل مباشر سيتجاوز خطاً أحمر يجبر واشنطن على اتخاذ أقصى درجات الرد.
ثانياً، إدارة التحالفات مع دول الجوار.
ثالثاً، فعالية الردع. إن ضرب إسرائيل في شكل مباشر يُحدث آثاراً مرئية ومتلفزة ومزعزعة للاستقرار السياسي. إنه يضرب جوهر عقيدة الردع: وعد الحصانة الوطنية. وهذا له قيمة دلالية أكبر بكثير من ضرب المنشآت الأميركية.
الوقوع في فخ الخطاب وخطر التصعيد
إن أخطر عنصر في هذا السيناريو ليس التوازن العسكري، بل هو الوقوع في فخ الخطاب. لقد أمضت إسرائيل 16 عاماً وهي تُقنع نفسها وشعبها وحلفاءها بأن إيران على بُعد أسابيع فقط من امتلاك قنبلة نووية. وقد أصبح هذا الخطاب راسخاً سياسياً لا رجعة فيه بالنسبة إلى بنيامين نتنياهو. لا يمكنه الآن أن يتسامح مع نتيجة تخرج منها إيران سليمة اقتصادياً، ومرنة استراتيجياً، وذات نفوذ إقليمي.
لقد دمجت الولايات المتحدة سياستها تجاه إيران مع الرواية الإسرائيلية، رغم أن الاستخبارات الأميركية نفت مراراً وتكراراً مزاعم امتلاك طهران قنبلة وشيكة. وهذا يشكل مأزقاً للصدقية: فكبح جماح إسرائيل الآن يعني ضمنياً الاعتراف بأن عقدين من التهويل كانا مبالغاً فيهما.
لم تعد الحرب تتطلب قراراً عقلانياً من أي طرف بمفرده. فقد تندلع نتيجة إشارة استخباراتية أُسيء تفسيرها، أو ضربة إسرائيلية استباقية تُصوَّر على أنها ضرورة دفاعية، أو تحرك أميركي للحفاظ على صدقية الردع، أو عقيدة إيرانية انتقامية تُعطي الأولوية للتأثير النفسي على الوطن.
هدف إضعاف النظام
إذا كانت الحملة تستهدف إنتاج النفط وموانئ التصدير والبنية التحتية الاقتصادية، فإن الأمر لا يتعلق بمنع الانتشار النووي، بل بكسر شوكة إيران كقوة إقليمية. سيمثل ذلك تحولاً من الردع إلى الإضعاف، ومن الضغط إلى التدمير البنيوي. وبمجرد تجاوز هذا الخط، لن يكون هناك مخرج مستقر. لن تتفاوض إيران في ظل خنق اقتصادي بالقنابل، بل ستصعّد في شكل غير متكافئ وإلى أجل غير مسمى.
عند هذه النقطة، تتوقف الحرب عن كونها حملة منفصلة، وتصبح صراعاً مزمناً بلا منطق واضح للإنهاء. هذا السيناريو ليس معقولاً فحسب، بل إنه متسق بنيوياً مع عمليات نشر القوات الحالية وسلوك التحالف والضرورات السياسية الداخلية الإسرائيلية ومنطق الصدقية الأميركية والتبعية الأوروبية وعقيدة الردع الإيرانية.