يشكّل الفرق السعري بين خام برنت البريطاني والخام الأميركي أحد أبرز ملامح سوق النفط العالمية، إذ يتراوح هذا الفرق عادةً عند نحو أربعة دولارات للبرميل، لمصلحة خام برنت، الذي يُعد الأكثر تداولاً واعتماداً عالمياً. وتعتمد غالبية مبيعات النفط عالمياً، لا سيما نفوط دول الخليج العربي المتجهة شرقاً نحو آسيا أو غرباً نحو أوروبا، على مؤشر برنت، باستثناء الصادرات النفطية المتجهة إلى الولايات المتحدة، والتي تُسعَّر وفق المؤشر الأميركي.
وتُعد الولايات المتحدة الأميركية أكبر مستهلك للنفط في العالم، إذ يبلغ استهلاكها نحو 22 مليون برميل يومياً. وفي الوقت ذاته، تنتج حالياً ما يقارب 13.5 مليون برميل يومياً من النفط الخام، مع احتمالات بتراجع إنتاجها المحلي، الأمر الذي قد يدفعها إلى زيادة وارداتها الخارجية من الخام. كما تشير التوقعات إلى تفاؤل أميركي بإمكانية استيراد كميات أكبر من النفط الفنزويلي، في ظل النفوذ والسيطرة شبه الكاملة على قطاع الصناعة النفطية في فنزويلا.
وفي هذا السياق، تدعو السياسة النفطية الأميركية الحالية إلى التوسع في عمليات الحفر وزيادة الإنتاج المحلي، إلا أن هذا التوجه قد يضر بالمنتج الأميركي، إذ قد لا يغطي السعر الحالي للبرميل تكاليف الإنتاج، ما يؤدي إلى عزوف بعض الشركات عن التوسع. كما أن التدخل الأميركي في الشؤون النفطية، داخلياً وخارجياً، لا يسهم في استقرار أو دعم أسعار النفط، في وقت تتزايد فيه متطلبات الدول المنتجة للنفط، بالتوازي مع توسع الاستكشافات النفطية، رغم اختلاف كلف الإنتاج بين الدول والشركات العالمية.
وتحتاج دول الخليج العربي إلى سعر تعادلي يتراوح بين 90 و95 دولاراً للبرميل لتغطية مصروفاتها السنوية، في حين تحتاج دول نفطية أخرى، مثل العراق وإيران ونيجيريا، إلى أسعار تتجاوز 100 دولار للبرميل، ما يجعلها عرضة لعجز مالي مستمر في حال غياب إيرادات بديلة خارج إطار النفط والغاز، أو ما يُعرف بالتنويع الاقتصادي. غير أن السؤال الجوهري يبقى: أين هو هذا البديل؟ وهل يمكن أن تمثل الاستثمارات الخارجية حلاً؟ ولماذا لا يكون ذلك بالتوازي مع تعزيز الاستثمار المحلي؟ لقد أدركت الأجيال السابقة أهمية التوجه نحو الاستثمارات الخارجية في الشركات والمؤسسات العالمية الكبرى، عبر شراء الحصص والأسهم، بما يحقق عوائد مالية أفضل وأكثر استقراراً مقارنة بالاستثمارات المحلية أو إيداع الأموال في البنوك الخارجية. وهي استثمارات تحمي الثروات الوطنية وتوفر عوائد حالية ومستقبلية، في وقت نحن بأمسّ الحاجة إليها، خاصة في ظل انخفاض أسعار النفط وحاجتنا إلى مستويات سعرية تقارب 90 دولاراً للبرميل، وهي متطلبات مرشحة للارتفاع خلال السنوات المقبلة.
وعلى صعيد التسعير، تعتمد معظم الدول المصدرة للنفط على مؤشر برنت لتسعير صادراتها إلى أوروبا، وعلى الخام الأميركي للصادرات المتجهة إلى الولايات المتحدة، في حين يُستخدم مؤشرا خامي دبي وعُمان لتسعير الصادرات النفطية المتجهة إلى الأسواق الآسيوية، مثل الهند وباكستان والصين وكوريا الجنوبية واليابان. وتُعد هذه الأسواق الأعلى عائداً لنفوط الخليج العربي.
وتتجه الغالبية العظمى من صادرات النفط الخليجية إلى قارة آسيا، نظراً لقربها الجغرافي وشهية أسواقها المتزايدة للطاقة. ومن هنا، برز التوجه الإستراتيجي نحو الاستثمار في تلك الأسواق، من خلال بناء المصافي ومحطات الوقود، كما هو الحال في استثمارات الكويت في فيتنام، والسعودية في كوريا الجنوبية، بهدف إضافة قيمة اقتصادية وضمان امتلاك حصص سوقية مستدامة على المدى الطويل. وكانت الكويت سبّاقة في هذا المجال، بدءاً من أوروبا، وهو ما يشكّل اليوم جزءاً من التوجه الحالي والمستقبلي للنفط الخام الكويتي، عبر الاستثمار في الدول المستهلكة للنفط الكويتي على وجه الخصوص.
وفي المحصلة، يبقى السعر المرجعي للنفط الخام الكويتي معتمداً كلياً على مؤشرات وأسواق النفط العالمية في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، مع تسجيل الأسواق الآسيوية أعلى مردود حتى الآن، لا سيما من خلال مؤشري خامي دبي وعُمان، اللذين يبلغان حالياً نحو 66 دولاراً للبرميل.
كاتب ومحلل نفطي مستقل