فيما اكتملتْ الجهوزيةُ العسكرية في المنطقة التي باتت في وضعيةِ «الإصبع على الزناد»، نفّذتْ إسرائيل الأحد، سلسلةَ اعتداءاتٍ «تذكيرية» بأنها على أهبّة الاستعداد على كل الجبهات وخصوصاً لبنان الذي يشكّل ملعبَ النار الأكثر التصاقاً بمآلاتِ الحرب المحتمَلة في الإقليم.
فمن الجنوب إلى البقاع هاجمتْ إسرائيل أهدافاً زَعَمَتْ أنها تابعة لـ «حزب الله»، عسكرياً وبشرياً، فيما كانت بيروت تبحث عن «منطقة آمنة» في غمرة «صراع الفيلة» الذي يُنْذِر بأن لا يبقى معه الإقليم كما كان، سواء وقع الانفجار الكبير أو تَحَقَّقَت غاياته بـ «وهج الحرب».
ورسّختْ الاعتداءاتُ الإسرائيليةُ الواقعَ الحَرِج الذي وَجَدَ لبنان نفسه فيه، عالقاً بين:
- تل أبيب التي لا تفوّت فرصةً لتأكيد جدّيتها في التقدّم بالمسار العسكري في حال تلكأتْ الدولة اللبنانية عن استكمال عملية سَحْبِ سلاح «حزب الله» أو عَمَدَ الأخير
لـ «إسنادِ» إيران في أي حربٍ قد تستهدفها.
- و"حزب الله" الذي أوصل الرسالة الأوضح للبنان الرسمي بأنه ليس مستعداً لأيّ خطوةٍ إلى الوراء شمال الليطاني وأن سلاحه خارج النقاش في هذه البقعة ما لم يَسبق ذلك انسحاب إسرائيل من النقاط التي تحتلها وإطلاق الأسرى ووقف الاعتداءات، على أن يلي ذلك بحث في استراتيجية دفاع وطني من ضمن حوار داخلي.
وتُواكِب إسرائيل «الإنذاراتِ بالنار» بضغوطٍ لتقويض الأطر الناظمة لمرحلة ما بعد اتفاق وقف الأعمال العدائية مع لبنان (27 نوفمبر 2024)، عبر محاولة الإطاحة باللجنة العسكرية للإشراف على تنفيذه (الميكانيزم) - رغم الارتقاء بها الى مستوى دبلو - مدني - واستيلاد مَسار آخر سياسي - مدني «24 قيراطاً» يكون محصوراً بها وبيروت وبرعاية الولايات المتحدة، لاقتناعها بأن ذلك كفيل ببلوغ اتفاقٍ أمني شامل يُلاقي بأبعاده ومندرجاته ما يُرسم للمنطقة.
في المقابل، يندفع «حزب الله»، غير القادر على مواجهة إسرائيل في ضوء التسليم الضمني بانتفاءِ أي تَوازُنِ رَدْعٍ أو تكافؤ عسكري وفق ما ظهّرته نتائج حرب الـ 65 يوماً، في اتجاه الدولة اللبنانية ورئيسيْ الجمهورية العماد جوزف عون والحكومة نواف سلام اللذين ثبّتا خيار حصر السلاح شمال الليطاني، عبر مواقف وحملات عنيفة من قادة ونواب في الحزب وناشطين قريبين منه، وهو التطوّر الذي يعكس من جهة ضيق هامش المناورة أمامه وفي الوقت نفسه الخشيةَ من إمكان أن «يَهرب الى الأمام» أي الى الداخل اللبناني للخروج من وضعية «فكّي الكماشة» التي بات فيها.
وتَرى أوساط سياسية في هذا الإطار أن «حزب الله» أصبح أمام خياراتٍ شديدة الصعوبة وأن أي تَغَوُّلٍ في الاعتراض على مسار سَحْبِ السلاح والانزلاق في اتجاه توتير الواقع الداخلي سيستدرج المزيد من الخسائر التي ستستنزفه وما بقيَ له من رصيدٍ محلي، وإن كانت تقرّ بأن جانباً رئيسياً من التشدد في ما خص مصير ترسانته العسكرية وخصوصاً الإستراتيجية منها (الصواريخ البعيدة المدى والمسيّرات) يرتبط بوضعية إيران واحتمالات الحرب عليها.
اجتماعات «الميكانيزم»
وفي حين مَضَتْ بيروت، بالتحرّي عما ستؤول إليه اجتماعات «الميكانيزم» ودقة الأجواء عن إمكان استئنافها في 25 فبراير المقبل، من دون الجزم إذا كان ذلك بجناحِها العسكري فقط من دون الدبلو - مدني، فإن الأوساط رأت أن الفترة الفاصلة عن هذا الموعد تُعتبر طويلة جداً في ضوء ما يُفترض أن يكون انقشع خلالها في ما خص مصير المنطقة، وَجْهها ووُجْهتها، وهو ما سيَترك تأثيراتٍ مباشرة على الواقع اللبناني وقد يَجعل ما هو تحت المعاينة اللصيقة اليوم «تفصيلاً» في المَشهدية الجديدة إذا كُتب لها أن تكون.
قاسم والتحرك الشعبي
وعلى وقع هذه التعقيدات، وفي ما بدا بمثابة «أمر عمليات» باتجاه تحركات في الشارع تحت عنوان إطلاق اللبنانيين الذين أسرتهم إسرائيل إبان «حرب لبنان الثالثة» والتضامن مع إيران وقيادتها، يُلقي الأمين العام لـ «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم عصر الإثنين، كلمةً في اللقاءين التضامنيين «الجماهيريين الكبيرين مع الجمهورية الاسلامية وتنديداً بالإساءة للمرشد الأعلى علي خامنئي».
وعشية هذا الحشد، وجّه قاسم رسالةً الى «الأسرى وعوائلهم» اعتبر فيها أن «ألَمَ الأسرى في معركتنا مع العدوّ الصهيونيّ المجرم هو الأشدّ. فتعامُلُ العدوّ الإسرائيليّ معهم لا يُراعي أبسطَ حقوقِ الإنسان، وهم صابرون محتسبون ثابتون. ويتألَّمُ أهلُهم معهم لعدمِ قدرتهم على التَّخفيف عنهم».
وأضاف: «للأسف ليس لدولتنا اللّبنــانيّة تحرّكاً مناسباً، ولا ضغطاً كافياً على الدول الصديقة، وليس الملفّ على سلّم الأولويّات. المطلوب أوسع تحرّك رسميّ وشعبيّ وضغط دوليّ للإفراج عن الأسرى في السجون الإسرائيليّة. نطالبُ الدّولة اللّبنانية المسؤولة عن مواطنيها بالضغط بكلّ الأساليب ومع الدول الراعية لاتفاق وقف النار أن تعملَ بجديّة للإفراج عن الأسرى. هذه القضيّة من الأولويّات، والإفراج عنهم جزءٌ من السيادة والتحرير، ولا يستقرُّ أيّ وضعٍ إذا لم يُفرج عن جميع الأسرى ويُكشف عن مصير المفقودين».
وفي موازاة ذلك، كان نائب «حزب الله» حسين جشي يَمْضي في الانتقاد العالي السقف للرئيس عون، من دون تسميته، على خلفية مواقفه التي اعتبر فيها أن السلاح بات عبئاً على بيئته وانتهى دوره وانتفت قدرته على الردع وتصويبه على «المغامرات الانتحارية» و«التهورات»، وذلك رغم التقارير عن معاودة فتْح قنوات التواصل المعهودة بين الطرفين لمحاولة احتواء التوتر.
وقال جشي «بعد مضي عام على العهد الجديد: أين الحماية التي وعدتم بها شعب لبنان وأهالي الجنوب؟ وأين السيادة التي تتغنّون بها؟ وأين الالتزام الذي قطعتموه على أنفسكم في خطاب القسم والبيان الوزاري بخصوص تحرير الارض واستعادة الاسرى وردع العدوان وإعادة الإعمار؟ (...) أين التزامكم باستراتيجية الأمن الوطني من أجل حماية المواطنين وبيوتهم وأرزاقهم التي تتعرض للعدوان يومياً؟ بعدما التزم لبنان بكل ما هو مطلوب منه ولم يطلق رصاصة واحدة رغم العدوان، ولكنه أيضاً قضى مئات الشهداء ودمرت مئات البيوت والمؤسسات خلال فترة الالتزام هذه على مرأى ومسمع من السلطة، وللأسف إن السلطة عاجزة عن فعل أي شيء يردع العدوان وتطالبنا بالتخلي عن المقاومة».
وأضاف «قبل الاستعجال على ما يسمى بحصر السلاح، قوموا بواجباتكم تجاه شعبكم وبعد ذلك نحن حاضرون دائماً للتعاون لما فيه مصلحة البلد كما تعاونا في استقرار مؤسسات الدولة بانتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة».
الغارات من الجنوب الى البقاع
وكانت الغارات الإسرائيلية الأحد، شملت السلسلة الشرقية وتحديداً جرود النبي شيت محلة الشعرة، بالتوازي مع اعتداءات جنوباً أحدها استهدف سيارة عند مفرق بلدة دردغيا في قضاء صور، حيث أُفيد عن سقوط الشخص الذي كان بداخلها.
وفيما كشف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي ان «جيش الدفاع استهدف عنصراً إرهابياً في منطقة البازورية»، سبقت ذلك غارة عنيفة استهدفت بعدة صواريخ المنطقة الواقعة بين بلدتي كفردونين وبئر السلاسل في قضاء بنت جبيل.
وفي الإطار نفسه، أغار الطيران الإسرائيلي على دفعتين مستهدفاً هنغاراً في بلدة خربة سلم ما أدى الى سقوط قتيل. وقد أعلن أدرعي «مهاجمة عناصر من «حزب الله» عملوا داخل موقع لإنتاج وسائل قتالية في جنوب لبنان».