من منظور آخر

لماذا للحركة النسوية وليس حقوق الإنسان؟

25 يناير 2026 10:00 م

إنّ مسألة تفضيل الحركة النسوية على حقوق الإنسان في كثير من الأحيان مسألة معقدة ومتشعبة، تتعدد فيها وجهات النظر، قد يبدو للوهلة الأولى أن حقوق الإنسان هي الأجدر بالتركيز، إذ تشمل حقوق وكرامة جميع البشر، بغض النظر عن الجنس، أو العرق، أو الطبقة، أو أي خصائص أخرى، إلا أن الحركة النسوية حركةٌ تُعنى بحقوق المرأة وتمكينها، وهي المرأة التي عانت تاريخياً من التهميش والاضطهاد.

لفهم أسباب تفضيل الحركة النسوية على حقوق الإنسان، لا بدّ من دراسة تاريخ حركة حقوق المرأة، والطرق التي استُبعدت بها المرأة من خطاب حقوق الإنسان، فعلى الرغم من أن حقوق الإنسان يفترض أن تكون عالمية وشاملة، إلا أن تجارب المرأة ووجهات نظرها غالباً ما تُتجاهل أو تُهمّش، وقد ظهرت حركة حقوق المرأة كرد فعل على هذا الاستبعاد، بهدف تسليط الضوء على النضالات والتحديات الخاصة التي تواجهها المرأة، ومعالجتها.

أحد الأسباب الرئيسية لتخصيص الحركة النسوية ضمن حقوق الإنسان هو أن تجارب النساء ووجهات نظرهن فريدة وقيّمة، فقد تعرضت النساء تاريخياً للاضطهاد والعنف والتمييز في ظل النظام الأبوي، وتم استبعاد تجاربهن ووجهات نظرهن من الخطاب السائد لحقوق الإنسان. تُقرّ الحركة النسوية بأن تجارب النساء ليست مجرد جزء من التجارب الإنسانية، بل هي جانب متميز ومهم من التجربة الإنسانية، لما تعرّضت له بسبب جنسها علاوة على ما يتعرض له أي إنسان آخر من ظلم لم يكن جنسه سبباً.

علاوة على ذلك، لا تقتصر الحركة النسوية على حقوق المرأة فحسب، بل تتعداها إلى تحدي الأعراف الاجتماعية الكامنة التي تُديم عدم المساواة. تسعى الحركة النسوية إلى تفكيك النظم الأبوية التي همّشت النساء واضطهدتهنّ تاريخياً، وإلى بناء مجتمع أكثر عدلاً وإنصافاً، يتطلب هذا تركيزاً خاصاً على تجارب النساء ووجهات نظرهن، والتزاماً بتحدي الوضع الراهن والسعي نحو تغيير جذري.

من الأسباب الأخرى التي تجعل الحركة النسوية تُعطى الأولوية على حقوق الإنسان، هو أن منظمات حقوق الإنسان غالباً ما تغفل الطرق المحددة التي تتشكّل بها تجارب النساء بفعل النوع الاجتماعي، تميل منظمات حقوق الإنسان إلى التركيز على الحقوق والحريات الفردية، بدلاً من العوامل الجماعية والهيكلية التي تُؤثر في حياة النساء، على سبيل المثال، قد تُقرّ منظمات حقوق الإنسان بالحق في التعليم، لكنها تغفل الطرق التي تُحرم بها الفتيات والنساء من فرص التعليم بسبب العنف القائم على النوع الاجتماعي، والتمييز، والأعراف الاجتماعية.

في المقابل، تُقرّ الحركة النسوية بأن تجارب النساء تتشكل بفعل تفاعل معقد بين عوامل متعددة، تشمل النوع الاجتماعي، والعرق، والطبقة الاجتماعية، وغيرها. تسعى الحركة النسوية إلى معالجة الأسباب الجذرية التي تنال من المرأة، بدلاً من مجرد معالجة الأعراض، وهذا يتطلب نهجاً دقيقاً ومتكاملاً يأخذ في الحسبان أشكال الاضطهاد المتعددة والمتداخلة التي تواجهها المرأة.

على الرغم من أهمية الحركة النسوية، يرى بعض النقاد أن التركيز عليها قد يغفل أحياناً معاناة وتحديات الفئات المهمشة الأخرى، فعلى سبيل المثال، يرى البعض أن النسوية قد تكون إقصائية، إذ تتجاهل تجارب النساء الملونات، والنساء ذوات الإعاقة، إلا أن النسوية التقاطعية وهي إطار فكري تقرّ بأن تجارب النساء تتشكّل بفعل أشكال متعددة من القمع، بما في ذلك العنصرية، والتمييز ضد ذوي الإعاقة، والتمييز الطبقي، وغيرها، وهذا يعني أن النسوية التقاطعية تسعى إلى إشراك وتضخيم أصوات النساء المهمشات والمضطهدات بأشكال متعددة، مثل النساء الملونات، والنساء ذوات الإعاقة، والنساء من الأسر ذات الدخل المحدود.

كما يرى آخرون أنها قد تكون ضيقة الأفق، وتركز على الحقوق الفردية، بدلاً من التغييرات الهيكلية والنظامية الأوسع نطاقاً اللازمة لمعالجة عدم المساواة والظلم.

مع ذلك، لا تعني هذه الانتقادات بالضرورة تعارض النسوية مع حقوق الإنسان، بل تُبرز الحاجة إلى نهج أكثر دقة وشمولية في النسوية، نهج يُقرّ بأشكال الظلم المتعددة والمتداخلة التي تواجهها النساء. ومن خلال إدراك هذه التعقيدات ومعالجتها، يُمكن للنسوية أن تكون أداة فعّالة لتعزيز حقوق الإنسان، وتحدّي الأعراف الاجتماعية الكامنة التي تُديم عدم المساواة والظلم.

يُعدّ سؤالُ لماذا تُعطى الأولوية في كثير من الأحيان للحركة النسوية على حساب حقوق الإنسان سؤالاً معقداً ومتشعباً، تتعدد فيه وجهات النظر، فبينما تعد منظمات حقوق الإنسان أساسية لتعزيز حقوق وكرامة جميع البشر، تتمثل الحركة النسوية حركةً محددة تركز على حقوق وتمكين المرأة، التي عانت تاريخياً من التهميش والاضطهاد، ومن خلال الاعتراف بالتجارب والآراء الفريدة والقيّمة للمرأة، وتحدّي الأعراف الاجتماعية الكامنة التي تُكرّس عدم المساواة والاضطهاد، يمكن للحركة النسوية أن تكون أداةً فعّالةً لتعزيز حقوق الإنسان وبناء مجتمع أكثر عدلاً وإنصافاً.