ثبّت رئيسُ الجمهورية العماد جوزف عون، الثلاثاء، «أقدامَ الدولة» في مسار حَصْرِ السلاح بيدها من فوق «جدار التصدّي» الذي رَفَعَه «حزب الله» أمام استكمال تفكيك ترسانته شمال الليطاني، لترتسم مع طلائع السنة الثانية من العهد ملامحُ أول تَصادُم «بلا قفازات» بين أهداف الشرعية اللبنانية باستعادة سيادتها على كامل أراضيها بقواها الذاتية وَحْدها، وبين المقتضياتِ الاقليمية التي تُعْليها «المقاومة» في كل يتعلّق بواقعها العسكري.
وفي كلمته خلال استقباله أعضاء السلك الدبلوماسي ورؤساء البعثات الدولية، الذين جاؤوا مهنّئين بحلول السنة الجديدة، خاطَبَ عون «حزب الله» بالدرجة الأولى و«بالأحرف الأولى» من اسمه، وكأنّه أراد أن يَسمع العالمَ، على مَشارف استحقاقاتٍ بارزة دَعْماً للجيش اللبناني واختباراتٍ دقيقة للحكومة في ملف حصر السلاح، صوتَ الإصرارِ على مسارٍ لا عودة فيه إلى الوراء رغم «الصوت العالي» من الحزب في رفْضِ أي مساس بترسانته خارج جنوب الليطاني ولو «لم يَبْقَ حَجَر على حَجَر».
وما جعل مواقف عون تكتسب أهمية مضاعفة، ليس فقط أنها تأتي قبل 14 يوماً على الزيارة البارزة لقائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل لواشنطن (بين 3 و 5 فبراير) والاستعدادات لكشْف خطة المؤسسة العسكرية حول سحْب السلاح بين نهريْ الليطاني والأولي، بل أيضاً أنها اعتُبرت بمثابة ردّ ضمني على الحملة التي بدأ يَتَعَرّض لها من «حزب الله» منذ أن دعاه إلى «التعقّل» واعتبر أن «السلاح بات عبئاً على بيئته وانتهتْ مَهمته ولم يعُد له دور رادع».
وإذ توّج الردودَ على عون الأمينُ العام لـ «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم (السبت)، فإنّ رئيسَ الجمهورية الذي كان أطلق أول «دفعة» من المواقف التي لاقت صدى شديد السلبية لدى الحزب في إطلالة تلفزيونية لمناسبة مرور سنة على انتخابه (9 يناير)، أكمل «التصويب الدقيق» على ملف السلاح وأَسْبَغَ عليه طابَعَ الالتزام أمام سفراء وممثلي المجتمعين العربي والدولي، في أقوى إشارةٍ لإدراك الدولة ما سيترتّب على التراجع عن مسارٍ بات يتوقف عليه مصير البلد، وإن كان الغموض يلفّ قدرةَ الشرعية على التقدّم شمال الليطاني وتَجاوُز تزنير الحزب هذا الملف بـ «ألغام» عنوانها «الحرب الأهلية».
جردة العام الأول
وبعبارات منتقاةٍ ظهّر عون موقفه من ضمن جردةٍ أجراها للعام الأول من ولايته انطلقتْ بتذكيرٍ بأنه تسلّم «دولة خارجة من عشرين عاماً من الفراغات، بفعل التطورات والأحداث الهائلة التي شهدناها، منذ استقلالنا الثاني، سنة 2005»، وأطلّت على ما سيكون لجهة المضي بحصْر السلاح والتزام لبنان اتفاق 27 نوفمبر 2024 «الذي أقر بإجماع القوى اللبنانية، قبل رئاستي، وهو اتفاق دولي نحترم توقيعنا عليه. والأهم، حرصاً منا على مصلحة لبنان، وعلى عدم زجه في مغامرات انتحارية، دفعنا ثمنها سابقاً الكثير الكثير».
وإذ أعلن ذلك «بافتخار» أكد «تطلعنا إلى استمرار هذا المسار في السنة الثانية من رئاستي، لتعود أرضنا كاملة تحت سلطة دولتنا وحدها، ويعود أسرانا جميعاً، ونعيد بناء كل ما تهدم، نتيجة الاعتداءات والمغامرات. وليكون جنوب لبنان، كما كل حدودنا الدولية، في عهدة قوانا المسلّحة حصراً، ولنوقف نهائياً أي استدراج أو أي انزلاق في صراعات الآخَرين على أرضنا، فيما الآخرون، كل الآخَرين بلا استثناء، يتحاورون ويتفاوضون ويساومون من أجل مصالح دولهم».
وكان عون أكد أنه «داخلياً، وضعت لنفسي هدفاً أول مرحلياً، هو ضمان الاستقرار الوطني، والتحضير لعودة لبنان وعودة نهوضه الشامل. وذلك على أربعة مستويات: السيادة والأمن. إعادة تكوين إدارات الدولة. الإصلاحات العامة وخصوصاً الاقتصادية والمالية والنقدية منها. واحترام الاستحقاقات الديمقراطية، المتعلقة بإعادة تكوين السلطات الشرعية».
وأضاف: «في العنوان الأول، أوكد لكم أننا أنجزنا الكثير. وذلك بالتعاون مع حكومة الدكتور نواف سلام ومع رئيس المجلس النيابي الأستاذ نبيه بري، كما مع القوى السياسية كافة. فليس تفصيلاً ما قررته حكومتنا بين 5 أغسطس و5 سبتمبر الماضيين، من خطة لحصر السلاح وبسط سلطة الدولة على أراضيها بقواها الذاتية. ودعوني أقول لكم بصراحة، أننا في هذا المجال، حققنا ما لم يعرفه لبنان منذ 40 عاماً».
وتابع: «فبمعزل عن حملات التشويش والتشويه والتهويل والتضليل، ورغم عدم التزام اسرائيل بإعلان وقف الأعمال العدائية، وبإمكانات معروفة لقوانا المسلحة، وفي طليعتها الجيش اللبناني، فإن ما رأيناه بكل عيوننا، هو أن رصاصة واحدة لم تطلق من لبنان خلال سنة من رئاستي. باستثناء حادثتين فرديتين سُجلتا في مارس الماضي ولم تلبث سلطاتنا الرسمية أن ألقت القبض على المتورطين فيهما. وهو ما يؤكد منذ أكثر من عشرة أشهر، أن الجيش اللبناني والقوى المسلحة اللبنانية، باتت تسيطر وحدها على جنوب الليطاني عملانياً. وقد تولت مهام هائلة لجهة تنظيف مناطق شاسعة من أي سلاح غير شرعي، من أي نوع أو تبعية كان. وقد أنجزنا ذلك، رغم كل الاستفزازات. ورغم استمرار الاعتداءات، ورغم التشكيك والتخوين والتجريح والتجني».
وفي حين شدد على «اننا حققنا ذلك، التزاماً منا باتفاق 27 نوفمبر 2024»، أعلن «يسعدني أن نلتقي اليوم، وقد تقرر نهائياً موعد انعقاد المؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، وذلك بمسعى مشكور ومقدر من الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية وفرنسا وقطر ومصر، ضمن إطار الخماسية الدولية الداعمة للبنان. وبترحيب من عدد كبير من الدول الصديقة للبنان، التي نتطلع إلى لقائها في باريس، في 5 مارس المقبل، برعاية كريمة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون».
وعلى المستوى الخارجي، قال «هدفي كان واضحاً معلناً: أن أعيد لبنان إلى مكانه وموقعه الطبيعيين، ضمن الشرعية العربية، كما الشرعية الدولية والأممية. وهذا ما دأبت على نسجه خطوة خطوة، عبر عشر زيارات لدول عربية شقيقة، وأربع لأخرى أوروبية صديقة، ومشاركة في ثلاث مناسبات دولية، عربية وإسلامية وأممية. كما استقبلنا رؤساء دول صديقة، وعشرات الوفود الدولية. وكانت ذروة هذا التضامن البهي الجلي مع لبنان، مع زيارة قداسة البابا لاون الرابع عشر»، مذكراً بما قاله «قداسته من أن السلام المطلوب لعالمنا اليوم، هو«سلام مجرَد من السلاح، ومجرِّد من السلاح». داعياً كل الدول والمسؤولين، إلى أن«ينزعوا السّلاح من القلب والعقل والحياة».
واضاف:«ضمن التفكير الإنساني نفسه، وخلال المحطات الخارجية لزياراتي هذه السنة كافة، كانت رسالتي واحدة: لبنان وطنٌ منذور للسلام. فلا جغرافيته، ولا شعبه، ولا طبيعته، ولا فرادته، ولا أي شيء من مكوناته، يوحي بأنه بلد حروب واعتداءات وعدوانات وتهوُّرات. نحن وطن يتنفّس السلام. وإن لا يعرف الاستسلام. وأول حق إنساني واجب الوجود، هو الحق في الحياة الحرة الآمنة والكريمة. وهذا ما نريده لوطننا، من جنوبنا إلى كل حدودنا».
نتائج ملموسة
أما عميد السلك الدبلوماسي السفير البابوي المونسنيور بابلو بورجيا، فأكد من جهته أنّ العمل الذي أُنجز في لبنان خلال السنة المنصرمة أسفر بالفعل عن نتائج ملموسة، غير أنّه ما يزال هناك الكثير ممّا ينبغي القيام به، وقال:«نشجّعكم فخامة الرئيس ومعكم الحكومة والبرلمان، على مواصلة العمل بصبرٍ وشجاعةٍ وحيوية، واثقين بقدرات هذا الشعب الكريم وقوّة صموده»، مشدداً على أن «السلام ليس حلماً مستحيلاً، وهو موجود»، وقال: «يريد السلام أن يسكن فينا، وله القدرة الوادعة على إنارة فهمنا وتوسيعه، ويقاوم العنف وينتصر عليه».
ودعا لبنان الى اعتماد مواقِفَ جديدة، لِرَفضِ منطقِ الانتقامِ والعنف، ولتجاوِزِ الانقساماتِ السياسيّةِ والاجتماعيّةِ والدّينيّة، ولفتحِ صفحاتٍ جديدةٍ باسمِ المصالحةِ والسّلام. وأضاف: «لقد سُلِكَ طريق العِداءِ المتبادلِ والحرب زمنًا طويلًا، والجميع يشهد على نتائجها الأليمة. لا بدّ من تغيير المسار، ولا بدّ من تربية القلب والعقل على السلام. ثمّ لا بدّ من تغيير أسلوب العمل، من أجل السعي بعزمٍ إلى ما يوحِّد لا إلى ما يُفرِّق، وإلى إبراز ما هو إيجابيٌّ ومشترك في الآخر، وذلك من خلال اللقاء وحوارٍ صادقٍ ومسؤول بين رجالٍ ونساءٍ ينشدون الحقيقة والعدالة، متجاوزين الأيديولوجيّات وتبايُن الآراء». وختم: «لبنان هو، ويجب أن يبقى، مشروعَ سلام؛ دعوته هي السلام».
«الميكانيزم»
ولم تحجب مواقف عون الأنظارَ عن محطةِ رئيس الحكومة نواف سلام في المنتدى الاقتصادي العالمي – دافوس وسط رصد للقاءات التي سيعقدها على هامشه، ولا عن تَقاطُع المعطيات التي تشير إلى أن لجنة الإشراف على تنفيذ اتفاق 27 نوفمبر (الميكانيزم) باتت بحُكْم «المنتهية الصلاحية»، وأنّ مصيرَها بات بين حدَّين:
- إما أن تعودَ للاجتماع، ولكن ليس قبل فبراير المقبل وانكشاف خطة الجيش اللبناني في ما خص شمال الليطاني ومهله الزمنية، ولكن فقط بـ «جناحها» العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة ويضمّ جنرالات أيضاً من فرنسا ولبنان واسرائيل والامم المتحدة، ومع «إنهاء» جناحها المدني الذي استُحدث مطلع ديسمبر وشكّل أول تَواصُلٍ ما فوق عسكري بين بيروت وتل أبيب (برعاية أميركية) منذ نحو 43 عاماً.
- وإما أن يتوقّف عمل «الميكانيزم» كلياً، وسط تسريباتٍ عن دفْع اسرائيلي وأميركي للاستفادة من كسْر «حاجز نفسي» شكّلتْه الجلسات القليلة من التفاوض «الديبلو – مدني» (كلف فيها من الجانب اللبناني السفير السابق سيمون كرم بصفته رئيس الوفد اللبناني الى الميكانيزم المعزَّزة)، وذلك للذهاب إلى إطارٍ أَرْفع وربما على مستوى وزاري من التفاوض خارج لبنان.
وتتضارب المعطيات في ما خصّ خلفيات وخفايا تصدُّع الميكانيزم كآلية وإطار ناظِم لمرحلة ما بعد وقف النار بين لبنان واسرائيل، في ظل:
- اعتبار البعض أن واشنطن ترى أن بيروت حوّلت «الغرفة المدنية» من اجتماعاتِ اللجنة باباً لشراء الوقت مع التمسُّك بعدم الذهاب أبعد في بحث القضايا العالقة (التعاون الاقتصادي وأخواته) قبل انسحاب اسرائيل وإطلاق الأسرى، ورفْضها أي منطق يقوم على إقامة منطقة اقتصادية (عازلة) على الحافة الحدودية ترتكز على عدم عودة أبناء الجنوب.
- اعتبار مصادر أخرى أن تل أبيب حوّلت «الميكانيزم» بصيغتها المحدّثة مدخلاً لمزيدٍ من الشروط التي لا يمكن حلّها على طاولةٍ في الناقورة، وأن واشنطن تتحيّن الفرصة لمزيد من إبعاد فرنسا عن اللجنة وعن دورٍ مقرِّر في ما خص «اليوم التالي» في لبنان بعد إنهاء الحرب جذرياً، أي في الحل المستدام المتعدد البُعد والذي تريد الولايات المتحدة أن تكون «عرّابته» الوحيدة في مفاوضات ثنائية بين بيروت وتل ابيب، وهو ما كان بدأ مع تحفّظ أميركي عن إشراك الموفد الفرنسي جان - إيف لودريان في اجتماع كان مفترَضاً للميكانيزم قبل ايام ولكنه... طار.
وفي هذا الإطار تُبْدي أوساط مطلعة خشيةً من أن تترك المناخات المحتدمة في المنطقة، كما ارتفاع «السواتر» على خط الرئيس دونالد ترامب وأوروبا على خلفية ملف غرينلاند وارتسام ملامح «حرب باردة» بينهما، تشظيات على صعيد لبنان، سواء لجهةِ انفجار الإقليم واقتياد «بلاد الأرز» إلى «فوهة المدفع»، أو انقلابِ الأولويات عالمياً، أو تحوّل الوطن الصغير مسرحاً للصراعات الدولية «الجديدة»، أو أن «تستفرد» به اسرائيل مستفيدة من «المنطقة العمياء» التي قد تتشكّل بحال احتدام التجاذب الأورو - أميركي وتحوّل «رادار الاهتمام» إلى بقع أخرى.