الرأي اليوم

أسلحتنا لمُواجهة الأزمات

19 يناير 2026 09:30 م

لا نُخفي رأسنا في الرمل مثل النعام. هناك أزمات -وليس أزمة- تعصف بالمنطقة والعالم، والكويت في قلبها تتأثر... بنارها أو بدخانها.

من فنزويلا، مروراً بأوكرانيا إلى السودان وفلسطين ولبنان وسوريا والعراق وإيران وانتهاء باليمن... سلسلة مُترابطة بانعكاساتها السياسية أو الميدانية، تُرافقها تحوّلات في المواقف وتبدّلات في آلية صنع القرار من أكبر الدول إلى أصغرها. لسنا في وارد الغوص في تحليل المُستجدّات وعلاقتها بالجغرافيا السياسية التي تتمدّد وتتقلّص بشكل غير مسبوق في التاريخ، بل نحن معنيون بالتركيز على الكويت وحمايتها واعتماد أفضل الخيارات لتجنّب ممرّ النار الذي فرض نفسه علينا.

ويا أهلنا في الكويت! نحن بلد صغير في إقليم ملتهب، خَبرتنا الأزمات وخَبرناها، من تداعيات الحرب الباردة علينا، إلى أفغانستان، فحرب الخليج والتهاب مياهنا الإقليمية، ثم الغزو من نظام جار الشمال. اليوم في ظلّ هذا «الجنون» الدولي لم تعد الدول تعرف كيف تصبح في مرمى النيران لأيّ سبب أو نتيجة أو قرار. «الأصدقاء» في العالم يرسلون إشارات سلبية بلا مبرر أحياناً، اللهم إلا إذا كانت نياتهم في اتجاه آخر، يعيقون حركة التنقّل أو يفاجئونك بتصريح لمسؤول كبير يتهم الكويت بنكران الجميل. و«الأعداء» يُواصلون انتقادك لتمسّكك بالثوابت الوطنية والشرعية الدولية.

لدينا جيش وقوات مسلحة، ولدينا الأمن الداخلي العين الساهرة، والحرس الوطني وكلّ القطاعات البحرية والجوية والبرية التي تفدي البلد برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه... ولكن جميعنا يعلم أن الدول الصغيرة بالمساحات وعدد السكان لا يمكنها مجاراة طرف يملك من أسلحة التدمير المتطورة والعديد والعتاد أضعاف أضعاف ما لديها. ولذلك لا يمكن الركون نهائياً إلى الاعتماد على معيار القوى العسكرية وحده بل على أسلحة أخرى قوية ما زلنا نملكها لمواجهة الأزمات.

أهم هذه الأسلحة هو الالتفاف حول شرعيتنا وقيادتنا التي اعتمدت التعاون الإيجابي في السياسة الخارجية من دون انحيازات حادة أو الدخول في محاور. فالكويت صاحبة رسالة تاريخية ترتكز على دعم الاستقرار الإقليمي، وحلّ الخلافات بالحوار، وتهيئة كلّ الظروف والإمكانات من أجل هذا الهدف.

جميعنا يذكر، عند قراءة الوثائق المتعلّقة بالغزو من مصادر عربية ودولية وحتى عراقية، أن صدام حسين كان يُراهن على إشارات مفادها أن هناك انقساماً بين جزء من الكويتيين وبين قيادتهم، معتبراً ذلك من عناصر اختيار توقيت الغزو. ليكتشف هو والعالم معه أن التفاف الكويتيين حول شرعيتهم عند الغزو كان أهم عنصر من عناصر التحرير.

ثاني هذه الأسلحة، الوحدة الوطنية. صمام الأمان للبقاء سواء وجدنا في قلب الأزمات الإقليمية أو بقينا على ضفافها. وحدتنا الوطنية تعني بقاء الكويت وانقساماتنا تُهدّد وجود الكويت. اليوم أكثر من أي وقت مضى يجب أن تكون الكويت وطننا وطائفتنا ومذهبنا وقبيلتنا. لا ترفعوا الغرائز على حساب الانتماء ولا ولاء إلا لهذه الأرض.

ثالث هذه الأسلحة، هو إبقاء الحيوية السياسية الكويتية متحركة في اتجاهاتها الإيجابية، فنحن مجتمع فاعل ومُتفاعل، وعلينا المشاركة دائماً في التصحيح والتقويم، إنما ضمن القنوات الصحيحة. لا توجد سلطة حضارية في العالم تستغني عن الرأي الشعبي في مسيرتها، لكن الخلافات في وجهات النظر أو الآراء أو الاقتراحات يجب أن تكون قاعدة بناء لا هدم، ومُنطلقها وطني عام لا مصلحي خاص. الحكومة يديرها بشر وهم أهل الكويت، والبشر يخطئون ويصيبون... نطرح ما لدينا للإصلاح في إطاره الوطني، ولا نُحوّل الطرح إلى حملة علنية للهدم.

رابع هذه الأسلحة، أن نتقي الله والكويت في مواقفنا وسلوكياتنا خصوصاً في وسائل التواصل الاجتماعي، فهناك من يُقحم الكويت في نزاعات لا تريدها ويحرج القيادة السياسية. وهناك من امتهن تشويه سمعة البلد ليل نهار. وهناك من يريد إدخال الكويت في محاور إقليمية، قافزاً فوق التجارب، ومُتناسياً أن الأزمات السابقة بين بعض الدول حلّت، وبقيت تغريداته مثلاً وصمة «خفة سياسية» أو بوق مأجور.

لا يجوز شرعياً ووطنياً وأخلاقياً وإنسانياً أن يستغل البعض أزمة ما مهما كان حجمها لصبّ الزيت فوق النار وتصوير النخب الكويتية بأنها أقرب إلى ميليشيا تتوزع الدفاع عن أطراف هذه الأزمة. هناك دولة لها موقفها، وهناك متابعة رسمية لما يجري، وهناك مساعٍ حميدة بعيدة من الأضواء. ليست دعوة للانكفاء في التعبير عن الرأي، وهو أمر لا يمكن أصلاً في ظل هذا الفضاء الإلكتروني، إنما هي دعوة لتقدير الموقف والارتقاء باللغة وصيانة مصلحة الكويت بالدرجة الأولى.

ومن أسلحتنا المستمرة بإذن الله، استمرار التركيز على المشاريع التنموية، وفتح المجالات لانخراط أكبر فيها من قبل كلّ القطاعات الشبابية والاقتصادية، وترسيخ مبدأ قيام العلاقات الإقليمية والدولية على قاعدة المصالح المُتبادلة لا الشعارات الفارغة، وربط التعاون والاتفاقيات ببرامج عمل تخدم الكويت والأطراف الخارجية على حدّ سواء... ولن نتطرّق إلى المساعي البيضاء والأيادي البيضاء والمُبادرات البيضاء لحلّ أيّ خلاف بين الأشقاء، لأن ذلك جوهر رسالة الكويت، هذه الدولة التي ظلّلها الله بعنايته، لأن الخير مُرادف لاسمها.