الصين والولايات المتحدة وإعادة تشكيل «ماركة الدولة»

17 يناير 2026 10:00 م

من الموضوعات المهمة التي تناولها عدد من المختصين في الشؤون الدولية ما يتعلّق بمفهوم «ماركة الدولة» (Nation Branding). ويعرّف كيث دِيني (Keith Dinnie) ماركة الدولة بأنها:

«مزيج فريد ومتعدّد الأبعاد من العناصر التي تمنح الدولة تميّزاً ذا أساس ثقافي وقيمة ذات دلالة لدى جماهيرها المختلفة».

وبعبارة أخرى، يُقصد بماركة الدولة مجموعة السمات والصور الذهنية التي تشتهر بها الدولة أمام شعوب ودول العالم، بما يجعلها في موقع تنافسي متميّز مقارنة بغيرها من الدول. فعلى سبيل المثال، تُعرف سويسرا بحيادها السياسي، ومؤسساتها المصرفية، وجودة صناعاتها الدوائية والساعات الراقية، فضلاً عن طبيعتها الخلابة. وتُعرف فرنسا بعراقة تجربتها الديمقراطية، وإسهامها في الفلسفة القانونية، إضافة إلى صناعات السلع الكمالية الفاخرة. كما تُعرف المملكة العربية السعودية باحتضانها للحرمين الشريفين وأبعاد ذلك الثقافية والحضارية والدينية. وتسهم هذه السمعة المتراكمة في توليد احترام الشعوب والدول، وفي تمييز الدولة عن غيرها ضمن النظام الدولي.

قدّمت الولايات المتحدة نفسها بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية بوصفها الدولة العظمى التي تصدّت للنازية والفاشية والبلشفية، التي قادتها نخب ديكتاتورية أشعلت الحروب وتسببت في مآسٍ عالمية واسعة. كما طرحت نفسها نموذجاً للدولة الديمقراطية ذات النظام الاقتصادي الليبرالي، الداعمة لحقوق الإنسان، والمساندة لحركات التحرر والاستقلال، فضلاً عن ريادتها في مجال التعليم العالي وجامعاته العريقة. وتجسّدت ماركة الولايات المتحدة في صورتها كقوة كبرى أسهمت في منع هيمنة أنظمة شمولية، وروّجت لقيم التعددية والتعايش السلمي، ودعمت قضايا حقوق الإنسان، إلى جانب إسهاماتها البارزة في الصناعات السينمائية والفنية. وبذلك مثّلت الولايات المتحدة لدى كثير من شعوب العالم أرض الفرص وتحقيق ما عُرف بـ«الحلم الأميركي»، فوفد إليها طلاب العلم، وهاجرت إليها العقول المبدعة وعرجت لها الكفاءات المتميزة من مختلف الأعراق والأديان.

غير أنّ سقوط الاتحاد السوفياتي، الذي كان يمثّل التحدي السياسي والعسكري والأيديولوجي الأبرز للولايات المتحدة، أفضى إلى انفراد واشنطن بمحاولة تأسيس نظام دولي أحادي القطبية تهيمن فيه على بنية النظام العالمي. ولم تعد الولايات المتحدة، في هذا السياق، بحاجة إلى حلفائها الأوروبيين كما كان عليه الحال سابقاً، فانفردت بالتدخل في شؤون الدول، وبالضغط الواسع على حيادية مسارات المنظمات الدولية. وتراجع وزن القانون الدولي في ممارساتها، بل بات يُنظر إليه أحياناً بوصفه عائقاً أمام تحقيق الهيمنة الكاملة، في نزعة أعادت إلى الأذهان نمط الإمبراطوريات التاريخية.

وقد شنّت الولايات المتحدة تدخلات عسكرية في عدد من الدول، من بينها أفغانستان والصومال والعراق، تحت مبررات ظلّت محل جدل واسع، وغالباً ما قُدّمت في إطار ما سُمّي بالتدخل الإنساني والأمني أو تحت مظلة الدبلوماسية الناعمة، بيد أنها فشلت في جميع تلك التدخلات العسكرية التي أورثت خراباً وفوضى وفراغاً سياسياً ولجت من خلاله الدول ذات المصالح المتضاربة والجماعات الارهابية والراديكالية.

المحصلة النهائية لذلك، هي أن الولايات المتحدة لم تنجح في فرض هيمنة مستقرة لنظام أحادي القطبية؛ إذ عارضت بعض الدول الأوروبية، ولو بصورة غير معلنة أحياناً، عدداً من سياساتها، حتى إن بعض الساسة الأميركيين وصفوا تلك المواقف بسياسات «أوروبا العجوز». كما عارضت روسيا، وريثة الاتحاد السوفياتي، التفرد الأميركي عبر إعادة بناء قدراتها العسكرية التقليدية والإستراتيجية والنووية. واتخذت دول أخرى ذات نفوذ إقليمي مواقف متحفظة أو معارضة صريحة للسياسات الأميركية، من بينها الهند وباكستان وتركيا وإيران والبرازيل وجنوب أفريقيا.

وفي خضم هذه التحولات، برز الصعود الصيني من خلال بناء ماركة دولة جديدة قوامها التجارة المفتوحة، والتصنيع واسع النطاق للسلع الاستهلاكية منخفضة الكلفة، وتوسيع الشراكات الاقتصادية ثنائية وجماعية، وبناء الجسور اللوجستية في إطار مبادرة «الحزام والطريق»، إلى جانب مدّ شبكات تعاون دولية قائمة على مبدأ الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مع تميّز واضح في هندسة البنى التحتية.

وفوق ذلك، حققت الصين تنافسية متقدمة في مجالات التكنولوجيا الرقمية والاتصالات، والصناعات العسكرية، واكتشافات الفضاء. كما وسّعت حضورها الثقافي والعلمي عبر مؤسساتها الأكاديمية والفنية، وأصبحت قادرة على تقديم بدائل شرقية لما كان يُعدّ ضرورة غربية، من دون فرض «تكلفة سياسية» على الدول المتعاونة معها.

وفي إطار الدبلوماسية الناعمة، كان الرؤساء الأميركيون السابقون يولون اهتماماً للبروتوكولات والأعراف والتقاليد الدولية، حتى وإن كان ذلك في حدود الشكل أحياناً، باعتبار أن هذه السلوكيات جزء من سمعة الدولة وماركتها التي راكمتها الإدارات الأميركية المتعاقبة على مدى عقود طويلة. غير أن وصول الرئيس دونالد ترامب، مثّل تحوّلاً نحو سياسة أكثر صراحة وبراغماتية، وأقـــــل اكتراثاً بتـــــلك الأعراف. فقد تعامل مع العلاقات التجارية بمنطق «ماذا أعطيـــك؟ وكـــــم آخذ؟»، وعبّر علناً عن رفضه لمواقف دول أو قادة بعينهم، ولم يتردد في طرح أفكار تتعلق بتوسيع النفوذ الجغرافي الأميركي بصيغ مباشرة، كما اتسم خطابه السياسي بمواجهة إعلامية مثيرة مع الخصوم والحلفاء على حد سواء. وقد أسهم هذا الأسلوب في قوة رئاسته على المستوى الفردي بيد أنه أدى إلى إضعاف الصورة التقليدية للدبلوماسية الأميركية واللياقة السياسية على مستوى الدولة.

وفي ظل تنافس الماركات بين الصيني–الأميركي، يمكن القول إن الولايات المتحدة فقدت أحد أهم عناصر قوتها، وهو ماركة الدولة الأميركية بوصفها رمزاً سياسياً عالمياً، في الوقت الذي تصاعدت فيه قيمة ماركة الدولة الصينية بوصفها شريكاً اقتصادياً وتنموياً واسع الانتشار. وتمثّل هذه الظاهرة، في نظر كثير من المتخصصين في العلاقات الدولية، مؤشراً على انحدار نسبي لأفول نجم قوة عظمى تقليدية، في مقابل سطوع شمس قوة دولية جديدة تتجه إلى توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي والثقافي على نطاق عالمي. ولهذا التحول انعكاسات وتداعيات دولية كبيرة نرى بعضها مرسومة على لوحة الواقع وقد يكون الآتي «أروع».