صمت يملأ مسرح البسام

13 يناير 2026 10:00 م

ليس من السهل الحديث عن فراغ يخلّفه فنان، إلا إذا كان من النوع الذي لا يشبه أحداً. الكاتب والمخرج سليمان البسام واحد من هؤلاء القلائل، أولئك الذين لم يقتحموا المسرح العربي فقط، بل أعادوا ترميمه وهندسته، ونقلوا صورته إلى العالم بجرأة لم نعتدها، ودقّة تميز رؤيته.

ففي زمن كان المسرح العربي يبحث عن نافذة، فتح البسام أبواب كبرى المسارح العالمية، بمنهج فريد من خلال تفكيك النصوص، وإعادة صياغتها في فضاءات تتجاوز اللغة والجغرافيا. كان يتعامل مع الهوية والحرب والسيادة الفردية كحالة توتر يشتغل عليه ويُشغل الجمهور معه، وهنا تحديداً كانت «الصدمة» التي تحدث عنها يوماً، صدمة إيجابية والتي توقظ المتلقي بدل أن تُسقطه، تربكه ليُفكّر وتستفزه ليعيد النظر.

أعماله وصلت إلى بروكلين وطوكيو وسيدني وباريس، كانت انتقالاً فكرياً للمسرح العربي إلى الساحة العالمية بوجه مشرّف. فحين قدّم قراءته العربية لـ «ريتشارد الثالث» أو أعاد إحياء نصوص سعدالله ونّوس في قلب «الكوميدي فرانسيز»، كان يُثبت أن النص العربي قادر على أن يحتل خشبات العالم وأن يتقدّم إليها بثقة لا بخجل.

واللافت أن البسام اتجه لمحاورة الغرب، وكتب بالإنكليزية وأخرج بالعربية والإنكليزية والفرنسية والألمانية، وكأنه يختبر الحدود ثم يتجاوزها. لم يكن غريباً أن تُدرّس أعماله في جامعات، أو أن يقف خطيباً أمام جمهور عالمي في مؤتمرات ثقافية واقتصادية مرموقة.

كل هذا يجعل السؤال أكثر إلحاحاً: أين هو سليمان البسام الآن؟ ولماذا هذا الغياب؟ هل هو غيابٌ اختياري؟

غياب طبيعة؟ أم غياب مسرح لم يعد يحتمل مشروعاً يحتاج إلى بنية شجاعة بقدر ما يحتاج إلى جمهور لا يخاف من أن يُصدم؟

البسام كان يرفع سقف الأسئلة في كل عرض، لم يكن يبحث عن الإجماع، بل عن لحظة صمت في نهاية العرض يقول فيها المتفرج لنفسه: «هذا العمل غيّرني»، وربما هنا يكمن سر الغياب، لأن من يشتغل على «الصدمة» بمعناها البنّاء، يدفع ثمناً أكبر من أولئك الذين يشتغلون على الترفيه السريع.

قد يكون الرجل يحضّر لنصوص جديدة، أو يستعد لسلسلة مسرحية تعيد فتح دفاتر التاريخ بعيون الحاضر كما اعتاد، وقد يكون غيابه مجرّد فخاخ للعودة، فخاخ من النوع الذي يترك فجوة تكبر، حتى إذا عاد امتلأت بالصوت والضوء وجمهور نخبوي مرة واحدة.

نهاية المطاف : حين يصمت المبدع... يبقى الأثر وحده يتكفّل بالحديث.