في الجزء الثالث والأخير من «للخشوع طاقة»، نستكمل الحديث عن الحقائق العلمية والقرآنية في موضوع الخشوع والوساوس: فقد وجد الدكتور Newberg أحد الدكاترة الذين يعملون في المراكز العلمية الخاصة في الغرب بعد إجراء العديد من التجارب العلمية على رهبان بوذيين يتأملون كل يوم لمدة ساعة، أن المنطقة الأمامية من دماغهم تنشط أثناء التأمل، أما المناطق الخلفية من الدماغ فلا تقوم بأي نشاط يُذكر، وتجدر الإشارة إلى أن المنطقة المسؤولة عن الوساوس موجودة في الجانب الخلفي للدماغ، وبالتالي يمكن الاستنتاج بأن التأمل والخشوع يعالجان الوساوس.
كذلك، فإن الإحساس بالتوجه المكاني ينخفض عند الذي يمارس التأمل، وهذا بالطبع يقودنا للاستنتاج بأن الخشوع يؤدي إلى تخفيف الشعور بالبيئة المحيطة، وبالتالي فإن أي خلل نفسي سببه البيئة مثل (الأصدقاء والأهل والمجتمع) سوف يزول بتكرار التأمل.
كما تبيّن من بعض الدراسات الحديثة أن التأمل يزيد الذاكرة ويقوي الانتباه عند الإنسان، ولذلك فقد يكون هذا الأسلوب مفيداً لأولئك الذين يعانون من ضعف الذاكرة...
إذاً، ما العلاقة بين الخشوع والفصام؟
عندما درس بعض الباحثين عن أدمغة لأناس أُصيبوا بالفصام (schizophrenia) وهم الأفراد الذين يعانون من اضطراب نفسي مزمن يؤثر على تفكيرهم ومشاعرهم وسلوكهم اليومي ما يجعلهم يفقدون الاتصال بالواقع، فوجدوا أن الفص الأمامي للدماغ يكون أصغر من الشخص السوي، فاستنتجوا الأثر الكبير للنشاط الذي يتم في هذه المنطقة الحساسة من الدماغ أي منطقة الناصية على مثل هذا المرض، ولذلك يمكننا القول إن الخشوع يعالج الانفصام في الشخصية أيضاً بشكل أكثر فعالية من أي دواء كيميائي، لأن الخشوع والتفكر ينشطان هذا الجزء بشكل كبير ويعدّلان الخلل الحاصل فيه، إذاً، الانفصام بالشخصية يمكن أن يسبب خسارة في خلايا الدماغ قد تصل إلى 10 في المئة من حجمه ويمكن تعويض هذه الخسارة بقليل من الخشوع في كل يوم...
سؤال آخر: ما العلاقة بين الخشوع والصلاة؟
إن القرآن الكريم يؤكد على الدور الكبير للخشوع في المحافظة على الصلاة، وذلك لأن الكثير من المسلمين لا يلتزمون بالصلاة على الرغم من محاولاتهم المتكررة إلا أنهم يفشلون في المحافظة عليها لأنهم فقدوا الخشوع، ولذلك يقول سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: «واستعينوا بالصبر والصلاة وإنّها لكبيرةٌ إلّا على الخاشعين» (البقرة 45)، وهكذا، تبين لنا الدور الكبير لمسألة الخشوع في الصلاة، ولذلك ربط القرآن الكريم بين الصلاة والخشوع... والعجيب أن القرآن في هذه الآية ربط بين الصبر والخشوع، وبالتالي وجد العلماء أن التأمل يزيد من قدرة الإنسان على التحمل والصبر ومواجهة الظروف الصعبة التي تواجهه بالفعل، فيما هناك بعض العلماء من الولايات المتحدة الأميركية قد أجروا تجارب عدة على أُناسٍ يُصلّون على طريقتهم، فوجدوا أن الصلاة لها أثر كبير على علاج اضطرابات القلب، وعلى استقرار عمل الدماغ، ولذلك نجد أن القرآن الكريم جمع لنا كلا الشفاءين: «الصلاة والخشوع» فقال تعالى: «قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون» (المؤمنون 1 - 2).
إذاً، كيف نمارس الخشوع في حياتنا اليومية؟
بلا شك نمارسها بواسطة القرآن، إنه القرآن يا سادة، وهو الوسيلة الرائعة لممارسة الخشوع لله تعالى، وهنا ينبغي علينا أن نصحح المفهوم أو الفكرة السائدة، أن الخشوع يكون في الصلاة فقط أو في قراءة القرآن، والصواب أن الخشوع هو نهج يعيشه المؤمن كل لحظة كما كان أنبياء الله يفعلون... فإذا تأملنا قليلاً في حياة الأنبياء عليهم السلام، نلاحظ أنها مليئة بالخشوع، بل كانوا هؤلاء في حال خشوع دائم، وهذا ما أعانهم على التحمل والصبر على الأذى والاستهزاء، فكان هذا الخشوع سبباً في استجابة دعائهم، ولذلك قال تعالى عنهم «إنّهم كانوا يُسارعونَ في الخيراتِ ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين» (الأنبياء 90).
أعزائي القراء: تأملوا معي عبارة: «وكانوا لنا خاشعين» فهي تُوحي بأن هؤلاء الأنبياء الكرام كانوا في حال خشوع دائم، ولذلك لابد أن نتعلّم منهم ونقتدي بهم في حياتنا، ولكن كيف ذلك؟
إنّ المؤمن الحقيقي يكون في حال خشوع في صلاته، وعندما يتصدّق تجده يتفكر في هذه الصدقة، وأيضاً عندما يزور مريضاً تراه يفكر في أهمية هذه الزيارة، فيطلب من الله أن يبعد عنه المرض، وكذلك عندما يتعامل مع الناس في بيع وشراء وتجارة تراه يحس بأن الله يراه ويراقبه، فلا يغش ولا يكذب، بل يكون صدوقاً مع الآخرين في عمله حتى يُحشر مع الصديقين يوم القيامة، فعندما يتعرض الشاب المؤمن لفتنة أو يكون على وشك أن ينظر إلى ما حرم الله، يتذكر أن الله يراه على الفور ولا يرضى عن ذلك، فيبتعد عن هذه المعصية ابتغاء وجه الله، ويحس وقتها بنوع من لذة وحلاوة الإيمان، وكذلك عندما يتعرض المؤمن لمرض أو لظروف صعبة في حياته، نجد أن أول شيء يقوم به هو الدعاء واللجوء إلى الله تعالى، فيدرك أن الله تعالى هو الذي ينفع ويضر وهو الذي بيده الخير وهو الذي يرزق وهو الذي بيده مفاتيح الخير كلها، وهذا هو الخشوع الحقيقي الذي نتحدّث عنه أيضاً.
ولذلك، فإن الخشوع هو نتيجة العمل الصالح والدعاء والمسارعة في الخيرات، وبالتالي إذا أردت أن يرزقك الله نعمة الخشوع وأن تكون مستجاب الدعوة كما استجاب الله لأنبيائه وهم في أصعب الظروف، عليك أن تبحث عن صنع الخيرات وتسارع فيها، فلا تنتظر حتى يأتي إليك من يحتاج المال لتعطيه، بل بادر أنت وسارع بالانفاق وعمل الخيرات والصدقات وهكذا... وعليك أن تتذكر هذه الآية وتحفظها مثل اسمك لترددها في كل يوم بل وفي كل موقف: «إنّهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين» صدق الله العظيم.
عزيزي القارئ: ربما بعد هذه الحقائق العلمية والقرآنية التي سردناها نعلم لماذا ألهمَ الله نبيّه وحبيبه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، قبل البعثة الشريفة أن يذهب إلى غار حراء ويخلو بنفسه، ليتأمل في خلق الله لهذا الكون ويتفكّر في عظمة الخالق تبارك وتعالى، لأن هذه المرحلة كانت في غاية الأهمية لتعطيه القدرة على الصبر والتحمل ليحمل على عاتقه أعظم رسالة على وجه الأرض، وربما ندرك كذلك لماذا كانت عبادة الحج تطهر الإنسان المؤمن، فيرجع كيوم ولدته أمه نقياً صالحاً، لأن عبادة الحج قائمة أساساً على التأمل والخشوع والتفكر في خلق الله خصوصاً عند الوقوف في عرفة، وهو الركن الأساسي لعبادة الحج، لأن رحلة الحج هي فترة للنقاهة والعلاج بالنسبة للمؤمن إذا عرف كيف يستثمر وقته في كل لحظة في طاعة الله تعالى، وربما ندرك كذلك لماذا كان الأنبياء أكثر الناس صبراً، لأنهم كانوا يمارسون عبادة الخشوع في كل شيء، وهذا بالطبع في الدنيا ولكن في الآخرة هناك من الأجر العظيم ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، اذ يقول الله تعالى في كتابه الكريم: «والخاشعين والخاشعات...» فلماذا أعد الله لهم؟ حيث يقول تعالى: «أعدّ اللهُ لهم مغفرة وأجراً عظيماً»، (الأحزاب 35).
ولكل حادث حديث،،،