اتجاهات

واشنطن وكاراكاس... صراع السيادة والنفوذ في زمن التحولات

5 يناير 2026 10:00 م

تاريخياً العلاقات الأميركية–الفنزويلية لم تبن على أسس طبيعية بين دولتين في نصف الكرة الغربي، بل تشكلت ضمن معادلة معقدة تجمع بين النفوذ السياسي والموارد الإستراتيجية.

فنزويلا، بما تمتلكه من أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم كانت لعقود ركيزة أساسية في أمن الطاقة الأميركي وشريكاً موثوقاً لواشنطن في وقتٍ نظرت فيه الولايات المتحدة إلى كاراكاس باعتبارها جزءاً من مجالها الحيوي التقليدي في أميركا اللاتينية، إلا أن هذا التوازن ظل هشاً وبدأ يتآكل مع تصاعد النزعة القومية اليسارية داخل فنزويلا ليبلغ نقطة التحول مع وصول هيوغو تشافيز، إلى السلطة عام 1999، حين خرج الخلاف من دائرة المصالح إلى مربع الصدام الأيديولوجي.

رسخ تشافيز ومن بعده نيكولاس مادورو، خطاباً سياسياً صدامياً يقوم على رفض الهيمنة الأميركية وربط مفهوم السيادة الوطنية بالتحرر من النفوذ الخارجي ولا سيما في قطاع النفط في المقابل، تعاملت واشنطن مع المشروع باعتباره تحدياً مباشراً لنفوذها الإقليمي ونموذجاً سياسياً مقلقاً قد يمتد أثره إلى دول أخرى في أميركا اللاتينية.

ونتيجة لذلك، انتقلت العلاقات تدريجياً من التنسيق الحذر إلى سياسات الاحتواء والضغط، ثم إلى منظومة واسعة من العقوبات الاقتصادية والمالية التي تحولت إلى الأداة الأبرز في إدارة الصراع خلال العقدين الأخيرين.

اليوم، يبدو الصراع الأميركي–الفنزويلي أكثر تشابكاً وتعقيداً من أي وقت مضى، فلم يعد مقتصراً على الديمقراطية وحقوق الإنسان بل بات متداخلًا مع ملفات الطاقة والهجرة والصراع على النفوذ الدولي، ترى واشنطن أن النظام الفنزويلي يعاني أزمة شرعية داخلية وتوظف الضغوط الدبلوماسية والعقوبات لدفعه نحو تغيير سياسي في المقابل، تنظر كاراكاس إلى هذه السياسات باعتبارها محاولة ممنهجة لإسقاط النظام والتحكم بقرار الدولة السيادي وترد عليها بتوسيع شبكة تحالفاتها مع قوى دولية منافسة للولايات المتحدة، مثل روسيا والصين وإيران.

في السياق الراهن عاد اسم دونالد ترامب، ليبرز مجدداً في الخطاب السياسي والإعلامي المرتبط بالملف الفنزويلي لا بوصفه رئيساً فحسب بل كرمز لمرحلة اتسمت بتسييس حاد لملف المخدرات والجريمة العابرة للحدود في الصراع مع كاراكاس. خلال تلك المرحلة استخدمت واشنطن اتهامات الاتجار بالمخدرات والإرهاب المخدراتي كأداة ضغط سياسية وقانونية وجرى احتجاز الرئيس مادورو تحت هذا العنوان.

في المقابل، رأت كاراكاس في تلك الإجراءات توظيفاً سياسياً للقضاء ومحاولة لتجريم النظام لا لمحاربة المخدرات بحد ذاتها معتبرة أن هذا الملف يستحضر كلما تعثر المسار السياسي أو تصاعد التوتر. وبهذا، لم تعد قضية المخدرات ملفاً أمنياً خالصاً بل تحول إلى أداة صراع سياسي تستخدم لتبرير العقوبات وتشديد العزلة بما يعكس طبيعة المواجهة غير المتكافئة بين واشنطن وكاراكاس أكثر مما يعكس تعاوناً دولياً حقيقياً لمكافحة هذه الظاهرة.

ولا يمكن فصل هذا الصراع عن تداعياته الخليجية والدولية خصوصاً في ظل التحولات العميقة في أسواق الطاقة العالمية، فدول الخليج العربي بوصفها فاعلاً رئيسياً في استقرار سوق النفط تتابع عن كثب مسار العلاقات الأميركية–الفنزويلية، إذ إن أي انفراج أو تصعيد بين واشنطن وكاراكاس ينعكس مباشرة على معادلات العرض والطلب وعلى سياسات التسعير داخل منظمة أوبك وخارجها، كما أن عودة النفط الفنزويلي إلى الأسواق العالمية أو استمرار تعطيله بفعل العقوبات يمثل عاملاً مؤثراً في حسابات دول الخليج لاسيما في ظل التنافس من الناحية الاقتصادية

وفي الخلاصة تتجه العلاقات الأميركية–الفنزويلية نحو منطقة رمادية لا ترقى إلى مواجهة شاملة ولا تؤسس في الوقت ذاته لتطبيع مستقر، فالتناقض البنيوي بين رؤية أميركية تقوم على النفوذ وإعادة تشكيل الاستقرار وفق النموذج الليبرالي ورؤية فنزويلية ترفع شعار السيادة والاستقلال ورفض الوصاية سيظل عنصراً حاكماً للعلاقة. ومع ذلك، يبقى هامش البراغماتية قائماً حين تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الضرورات السياسية ما يجعل مستقبل العلاقة مرهوناً بالقدرة على إدارة الخلاف لا كسره، وبالانتقال من منطق الإقصاء إلى توازن المصالح في عالم تحكمه التحولات أكثر مما تحكمه الثوابت.