من منظور آخر

حرية الوجود

4 يناير 2026 10:00 م

في عالمنا سريع الخُطى، والذي غالباً ما يكون قاسياً، يسهل الوقوع في فخ ضغط تقديم صورة مثالية، فنحن نتعرّض باستمرار لوابل من صور الكمال على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد تكون توقعات الآخرين مُرهِقة، سواءً أكانت الرغبة في النجاح المهني، أو الحفاظ على علاقة مثالية، أو مجرد الاندماج مع دائرتنا الاجتماعية، فإن ثقل توقعاتنا الشخصية قد يكون مُرهِقاً في بعض الأحيان. في هذا المقال، سنستكشف تعقيدات اجتياز شبكة العلاقات والمسؤوليات والرغبات، وكيف يُمكننا الحفاظ على أصالتنا وسط كل ذلك.

منذ الصغر، يتم تعليمنا على التوافق مع الأعراف والتوقعات المجتمعية، كي نكون منسجمين مع الآخرين، وأن نكون مثلهم، وأن نتجنب التميز عنهم، قد يكون هذا الضغط للتوافق مُرهِقاً، ومن السهل أن نقع في فخ الرغبة في تقديم صورة مثالية للعالم، نشعر أننا بحاجة إلى وظيفة مثالية، وعلاقة مثالية، وجسم مثالي، وإلا سنكون أقل شأناً، لكن الحقيقة هي أن هذا الضغط للتوافق ليس غير واقعي فحسب، بل إنه خانق أيضاً.

قد يكون ثقل توقعاتنا مُرهِقاً لأنه مبني على أساس مستحيل، نحن بشر، ولسنا كاملين بطبيعتنا، لدينا عيوب، ونرتكب أخطاء، ولدينا سماتنا وخصائصنا الفريدة، لكن بدلاً من تقبُّل هذه العيوب، غالباً ما نحاول إخفاءها وراء قناع الكمال. نتظاهر بأننا شخصٌ لسنا عليه، ونرتدي قناعاً مصمماً لإبهار الآخرين، لكن هذا القناع ليس مرهقاً فحسب، بل إنه خانق أيضاً.

تُعدُّ العلاقات جزءاً أساسياً من التجربة الإنسانية، فنحن بحاجة إلى التواصل والحب والدعم. لكن العلاقات قد تكون معقدة ومتشعبة، لدينا علاقات مع عائلاتنا، وأصدقائنا، وشركائنا العاطفيين، وزملائنا في العمل. ولكل علاقة من هذه العلاقات ديناميكيتها الخاصة وتوقعاتها وتحدياتها.

من أبرز تحديات العلاقات الضغط الناتج عن محاولة تلبية توقعات الآخرين، نشعر بأننا مُلزمون بأن نكون على نحو معين، وأن نتصرف بطريقة معينة، وأن نُظهر أنفسنا بصورة معينة لنحظى بالحب والقبول، لكن هذا الضغط قد يكون مُرهقاً، وقد يُؤدي إلى مشاعر الاستياء والإحباط والإرهاق. فنبدأ بالشعور بأننا نفقد أنفسنا في خضم محاولتنا تلبية توقعات الآخرين.

من أهم ما يمكننا فعله للتغلب على تعقيدات العلاقات والمسؤوليات والرغبات هو تحمل مسؤولية اكتشاف ذواتنا، وهذا يعني تخصيص الوقت الكافي للتعرف على أنفسنا، وفهم احتياجاتنا ورغباتنا وقيمنا. ويعني أيضاً أن نكون صادقين مع أنفسنا في شأن ما نريده، وما نحتاجه، وما نحن على استعداد للتنازل عنه.

إن اكتشاف الذات ليس بالأمر السهل دائماً، وغالباً ما تكون رحلة مليئة بالتحديات والشكوك. لكنها رحلة أساسية لنمونا وتطورنا وسعادتنا، فعندما نخصص الوقت الكافي للتعرف على أنفسنا، نبدأ بفهم ما يحركنا وما يدفعنا وما يجلب لنا السعادة. نبدأ بإدراك أننا لسنا مجرد كائنات أحادية البعد، بل أفراد معقدون ومتعددو الجوانب، لكل منا نقاط قوته وضعفه وخصائصه الفريدة.

الأصالة هي مفتاح اجتياز شبكة العلاقات والمسؤوليات والرغبات المعقدة. عندما نكون أصيلين، نكون صادقين مع أنفسنا، ولا نحاول التظاهر أمام العالم، لا نسعى لتلبية توقعات الآخرين، ولا نحاول التوافق مع قالب معين. ببساطة، نكون على طبيعتنا، بكل ما فيها من نقائص وعيوب وخصائص مميزة.

الأصالة مُحرِّرة لأنها تُحررنا من ضغط التوافق، لم نعد نسعى لتلبية توقعات الآخرين، ولم نعد نحاول تقديم صورة مثالية للعالم. ببساطة، نكون على طبيعتنا، وهذا أمر رائع. عندما نكون أصيلين، نبدأ بجذب الأشخاص الذين يُحبوننا كما نحن، بدلاً من محاولة تغييرنا لنُناسب معاييرهم، نبدأ ببناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والثقة والتفاهم.

قد يكون ثقل توقعاتنا الشخصية خانقاً في بعض الأحيان، فنشعر وكأننا نغرق في بحر من صنع أيدينا. لكن المشكلة لا تكمن في التوقعات نفسها، بل في ردود أفعالنا تجاهها، فعندما نحاول التوافق مع الأعراف الاجتماعية، وعندما نسعى لإظهار صورة مثالية، وعندما نحاول تلبية توقعات الآخرين، فإننا نضحي بأصالتنا وشخصيتنا الفردية.