في ضربة «مفاجئة» وغير مسبوقة، حملت طابعاً سياسياً ورسالة داخلية وخارجية في آن واحد، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، السبت، شن عملية عسكرية «ناجحة» على الأراضي الفنزويلية، أسفرت عن اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، ما أثار تساؤلات واسعة حيال إمكانية تنفيذ سيناريوهات مماثلة في كوبا أو كولومبيا أو حتى نيكاراغوا، في إطار مخطط استهداف «كرتيلات» المخدرات على الطريقة «الهوليودية».
وقال ترامب في مؤتمر صحافي، مساء السبت، إن «على أمثال مادورو أن يعلموا أن ما حدث له قد يحدث لهم، والعملية الناجحة في كاراكاس رسالة لكل من يهددنا».
وأضاف «قطعنا الكهرباء عن فنزويلا بفضل خبرات نمتلكها، وتم تحييد وشل جميع القدرات العسكرية لها (...) ولا نخشى من نشر قوات على الأرض».
وأكد أن «الولايات المتحدة مستعدة لشن هجوم ثان أكبر على فنزويلا إذا تطلب الأمر وستُبقي كل عملياتها العسكرية قائمة لحين تلبية مطالبها بالكامل»، مشيراً إلى أن قوات جوية وبرية وبحرية أميركية شاركت في العملية.
وأضاف أن القوات شنت غارة على «قلعة عسكرية محصنة بشدة في قلب كاراكاس» للقبض على مادورو، الذي سيتم نقله وزوجته على متن سفينة إلى نيويورك ليواجهان العدالة الأميركية.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة ستقوم بإشراك شركات النفط الأميركية الكبيرة جداً، وهي الأكبر في العالم، لإنفاق مليارات الدولارات، لإصلاح البنية التحتية المتهالكة بشدة، البنية التحتية النفطية، والبدء في «جني» الأموال لصالح البلاد.
وتابع «لا يوجد أحد جاهز لتولي السلطة في فنزويلا، وسنتولى إدارة زمام الأمور وصولاً إلى عملية انتقالية آمنة»، مضيفاً «لن ننسى مبدأ مونرو»، الذي أُعلن عنه في عام 1823، يهدف إلى منع أي تدخل أوروبي في نصف الكرة الغربي.
وقبل ذلك، نشر ترامب على منصته «تروث سوشيال» صورة للرئيس الفنزويلي معصوب العين ومكبلاً اليدين على متن السفينة «يو إس إس إيو إيوا غيما» بعد نقله خارج كاراكاس جواً.
وأوضح رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأميركي الجنرال دان كاين أن العملية العسكرية التي حملت اسم «العزم المُطلق»، تطلبت «أشهراً من التخطيط والتمرين»، وشاركت فيها «نحو 150 طائرة انطلقت من على امتداد النصف الغربي» للكرة الأرضية.
وقالت المدعية العامة الأميركية بام بوندي، «تم توجيه الاتهام إلى لمادورو وزوجته سيليا فلوريس في الدائرة الجنوبية لولاية نيويورك»، بتهم «التآمر على الإرهاب المرتبط بالمخدرات، والتآمر على استيراد الكوكايين، وحيازة رشاشات وأجهزة تدميرية، والتآمر على حيازة رشاشات وأجهزة تدميرية ضد الولايات المتحدة».
وأثارت الضربة «الترامبية»، تساؤلات لدى العديد من المراقبين حيال إمكانية تكرارها مع كوبا أو حتى نيكاراغوا أو لاستعادة قناة بنما، كما أعلن سيد البيت الأبيض في فبراير الماضي، وهو ما سيجعل عملياً منطقة الكاريبي ساحة عمليات أميركية مفتوحة بهدف تنفيذ سيناريوهات مماثلة في أميركا اللاتينية.
وكانت وسائل إعلام أميركية وفنزويلية، أعلنت عن سبعة انفجارات هزت العاصمة الفنزويلية، واستهدفت ميناء كاراكاس البحري والقاعدة البحرية في ولاية لا غوايرا وأبراج اتصالات ومطار هيغيروتي ومواقع مدنية وعسكرية.
وأتت هذه التطورات بعد ساعات على إعلان الرئاسة الفنزويلية التعبئة العامة، وإصدار قرار بتفعيل خطط الدفاع الوطني عن كل الأراضي الفنزويلية، في مواجهة ما وصفته بـ«عدوان أميركي صارخ».
إعلان الطوارئ
وشجب وزير الخارجية الفنزويلي إيفان بينتو العدوان العسكري الخطير، معلناً حال الطوارئ في بلاده والانتقال إلى «الدفاع المسلح».
إلا أن زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، أعلنت أن المعارضة مستعدة لتولي السلطة، مع خطة جاهزة لـ «أول 100 ساعة، وأول 100 يوم».
واعتبرت أن «زعيم البلاد اختاره الشعب قبل عام»، مشيرة إلى إدمنودو غونزاليس أوروتيا باعتباره «الرئيس المنتخب».
ردود فعل دولية
توالت ردود الفعل الدولية، بعد العملية الأميركية ضد فنزويلا ورئيسها نيكولاس مادورو.
وفيما أعلن الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو أن بلاده بدأت نشر قوات الأمن على الحدود تحسباً لتدفق جماعي محتمل للاجئين، في ظل التطورات الأمنية في المنطقة، أكدت الرئاسة الكوبية أن «منطقة السلام» تتعرض «لاعتداء وحشي».
وفي حين أكدت الحكومة المكسيكية أن «الحوار والتفاوض هما الوسيلة الشرعية والفعالة الوحيدة لحل الخلافات القائمة»، أعلنت حكومة أوروغواي الشرقية أنها ترفض «التدخل العسكري من قبل دولة في أراضي دولة أخرى».
لكن الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الحليف القوي لواشنطن، أشاد بالعملية وقال إن «الحرية تتقدم. عاشت الحرية!».
وإذ أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، «أننا لم نشارك في الأمر»، دافعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عن الضربة الأميركية، واعتبرت أنها تندر في إطار «الدفاع» المشروع.
وفي برلين، عرضت وزارة الخارجية الألمانية الوساطة للمساعدة في إيجاد حل سلمي، بينما أكدت موسكو ضمان حق فنزويلا في تقرير مصيرها من دون أي تدخل عسكري مدمر من الخارج.
وقالت مسؤولة السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس «مادورو يفتقر إلى الشرعية، وفي كل الظروف، يجب احترام مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وندعو إلى ضبط النفس».
بدوره، ندد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بـ «سابقة خطرة»، مبدياً قلقه لجهة «عدم احترام القانون الدولي» خلالها.
«دلتا»... وحدة «النخبة»
- تعد قوة «دلتا» التي اعتقلت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أعلى وحدة مهام قتالية خاصة من المستوى الأول ضمن القوات المسلحة الأميركية.
- تُكرّس «دلتا»، وهي وحدة «النخبة» جهودها بشكل أساسي لعمليات مكافحة الإرهاب، وتحديداً القبض على أهداف عالية القيمة أو قتلها، وتفكيك الخلايا الإرهابية، كما تُستخدم في مهام متنوعة، مثل العمليات المباشرة، إنقاذ الرهائن، والاستطلاع الخاص.
- تخضع القوة للسيطرة العملياتية لقيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC)، ولكن تُدار من قِبل قيادة العمليات الخاصة للجيش (USASOC).
- تتمركز «دلتا» في فورت براغ بولاية كارولاينا الشمالية، وتضم نحو ألفي جندي، منهم ما بين 300 و400 جندي من «العناصر العملياتية» (الأفراد المقاتلين).
- تنقسم الوحدة إلى سبعة أسراب، الأسراب من أ إلى د (هجوم)، والسرب هـ (طيران)، والسرب ز (عمليات سرية)، وسرب الدعم القتالي (طبي، استخباراتي، وما إلى ذلك).
- ينقسم كل سرب إلى ثلاث فصائل، وتشارك فصيلتان في عمليات قتالية مباشرة، بينما تتولى الفصيلة الثالثة مهام الاستطلاع وتضم قناصة.
مادورو... في سطور
- تولى نيكولاس مادورو، المعروف بـ«الرجل القوي»، رئاسة فنزويلا منذ عام 2013، عقب وفاة سلفه ومعلمه، الرئيس الراحل هوغو تشافيز.
- وُلد مادورو، في 23 نوفمبر 1962 في كاراكاس، وبدأ حياته المهنية سائق حافلة، قبل أن يدخل عالم السياسة ضمن التيار البوليفاري الذي أسسه تشافيز.
- انتُخب «الرجل القوي»، عضواً في الجمعية الدستورية ثم في الجمعية الوطنية، ليتولى رئاستها عام 2005.
- عيّنه شافيز، في عام 2006 وزيراً للخارجية، وهو المنصب الذي شغله حتى وفاة الرئيس السابق عام 2013، بعد أن كان قد عيّنه نائباً له في أكتوبر 2012.
- شغل مادورو، منصب رئيس فنزويلا منذ عام 2013 لغاية اليوم، بعد فوزه بـ3 ولايات انتخابية في أعوام 2013 و 2018 و2024.
- لم يُكمل مادورو، تعليمه الجامعي، إذ توقفت مسيرته التعليمية عند الحصول على شهادة الثانوية العامة.
- متزوج من سيليا فلوريس، القيادية في حركة «الجمهورية» الخامسة، والمحامية التي دافعت عن شافيز بعد اعتقاله عام 1992، والتي أصبحت لاحقاً أول امرأة تُنتخب رئيسة للجمعية الوطنية لفنزويلا بين عامي 2006 و2011.