فضلاً عن أسباب تتعلق بالإدارة والخيارات الإستراتيجية والقراءة الخاطئة للتحولات

«جاء التصوير الرقمي وانتهت كوداك»... أول من اخترع الكاميرا الرقمية

24 نوفمبر 2025 10:00 م

- 90 في المئة من سوق الفيلم الفوتوغرافي بأميركا و85 في المئة عالمياً كان بيد «كوداك» بالثمانينات والتسعينات
- 30 مليار دولار قيمة سوقية للشركة أواخر التسعينات واليوم تقل عن 1 في المئة
- 2012 الشركة تقدمت للحماية من الإفلاس وفي 2013 باعت معظم أصولها الرئيسية
- تاريخ «كوداك» لا يتعلق بفشل تكنولوجي بقدر الرؤية
- تحول الشركة عن الأفلام والطباعة كان يعني تخليها طوعاً عن «الدجاجة التي تبيض ذهباً»
- حماية النموذج القديم على الابتكار خسر الشركة ريادة 100 عام
- «كوداك» تمتلك آلاف الاختراعات الرقمية غير المحولة لمنتجات ناجحة
- روتشستر في نيويورك شهدت تدهوراً اقتصادياً حاداً بعد انهيار «كوداك»

لسنوات طويلة احتلت شركة إيستمان كوداك (Eastman Kodak) موقعاً مركزياً في صناعة التصوير العالمية، وكانت رمزاً لا يُشق له غبار في الثقافة الاستهلاكية. فمنذ بدايات القرن الـ20 وحتى نهاية التسعينات، حافظت الشركة على هيمنة شبه مطلقة في سوق الأفلام الفوتوغرافية والمواد الكيميائية المرتبطة بها.

وخلال ذروة نفوذها، وتحديداً في الثمانينات والتسعينات، سيطرت «كوداك» على نحو 90 في المئة من سوق الفيلم الفوتوغرافي في الولايات المتحدة ونحو 85 في المئة عالمياً. وفي تلك المرحلة، كانت من بين أقوى العلامات التجارية في العالم إلى جانب أسماء مثل «ديزني» و«كوكاكولا».

اللحظة الجديرة

وحسب صحيفة «ذي غارديان»، تجاوز عدد موظفيها 145 ألف موظف، وبلغت قيمتها السوقية أواخر التسعينات أكثر من 30 مليار دولار، بينما أصبحت عبارة (Kodak Moment) جزءاً من الذاكرة الثقافية بوصفها اللحظة الجديرة بالتصوير.

ورغم هذه القوة، انهارت الإمبراطورية سريعاً. ففي يناير 2012 تقدمت الشركة بطلب الحماية من الإفلاس (Chapter 11)، وبعد عام باعت معظم أصولها الرئيسية لتتحول إلى شركة صغيرة تركز على تقنيات الطباعة والمواد الصناعية. واليوم لا تتجاوز قيمتها السوقية جزءاً يسيراً مما كانت عليه، أقل من 1 في المئة من ذروة تسعينات القرن الماضي.

أسباب الانهيار

والقراءة الشائعة للقصة تختزلها بعبارة «جاء التصوير الرقمي وانتهت كوداك». إلا أن مراجعة تاريخ الشركة تشير إلى أسباب أكثر تعقيداً، تتعلق بالإدارة والخيارات الإستراتيجية والقراءة الخاطئة للتحولات التكنولوجية والتي يمكن اختصارها في الآتي.

1 - تجاهل الاختراع الذي كان يمكن أن ينقذها:

المفارقة أن «كوداك» نفسها كانت أول من اخترع الكاميرا الرقمية. ففي عام 1975 طوّر المهندس ستيف ساسون النموذج الأولي لكاميرا رقمية تعمل بتقنية (CCD). ورغم أن الإدارة أدركت أهمية الفكرة تقنياً، اعتبرتها تهديداً مباشراً لأرباح الأفلام التقليدية التي مثلت نحو 70–80 في المئة من هوامش ربح الشركة. ووفق شهادات لاحقة، طُلب من ساسون «عدم الإعلان عن الاختراع».

2 - الخوف من «أكل الذات»:

اعتمدت «كوداك» لعقود على نموذج يربط مبيعات الكاميرات ببيع الأفلام والطباعة، حيث يكمن الربح الحقيقي. إطلاق منتجات رقمية كان يعني التخلي طوعاً عن «الدجاجة التي تبيض ذهباً»، ولذلك فضّلت الإدارة تأجيل التحول الرقمي لأطول وقت ممكن. هذا التردد منح المنافسين، وخاصة «كانون» و«سوني» و«نيكون»، مساحة واسعة للهيمنة على السوق.

3 - إنكار التحول وقراءة خاطئة للمستهلك:

في التسعينيات وحتى أوائل الألفية، استمرت الشركة في خطاب متفائل حول مستقبل الفيلم التقليدي، معتبرة أن المستهلك سيظل يفضّل الصورة المطبوعة. في عام 1996، على سبيل المثال، أطلقت كوداك منتج «Advantix» بفلسفة «الفيلم الأكثر تطوراً»، لكنه تحول إلى خسارة كبيرة.

4 - إدارة مضطربة وتشتت إستراتيجي:

بين 1980 و2011 تعاقب على قيادة الشركة تسعة مديرين تنفيذيين، كثير منهم بخلفية تقنية-كيميائية مرتبطة بالأفلام لا بالتكنولوجيا الرقمية. كما أنفقت الشركة مليارات على استحواذات غير متصلة بمجالها الأساسي، مثل شراءSterling«»Drug مقابل 5.1 مليار دولار عام 1988، ثم بيعها لاحقاً بخسارة.

أما التحول الرقمي الجاد، فلم يبدأ فعلياً إلا بعد عام 2003، حين كان السوق قد دخل مرحلة المنافسة المكثفة، وكانت الشركات اليابانية والعالمية سبقتها في تطوير تقنيات رقمية متقدمة.

5 - تآكل القدرة على تحويل الابتكار إلى منتجات:

امتلكت «كوداك» آلاف براءات الاختراع في مجال التصوير الرقمي، ولاتزال تحقق إيرادات من ترخيص بعضها، لكنها فقدت القدرة على تحويل هذه البراءات إلى منتجات ناجحة تجارياً. في الوقت الذي كانت فيه شركات مثل أبل و«جوجل» وفوجي فيلم تطوّر نماذج أعمال جديدة، ظلت كوداك متمسكة بماضيها الصناعي.

وحسب تقرير نشرته «سي إن بي سي»، تراجعت قيمة الشركة من أكثر من 31 مليار دولار (1997) إلى الإفلاس في 2012، وتم تسريح أكثر من 130 ألف موظف خلال سنوات التراجع. أما مدينة روتشستر في ولاية نيويورك، التي كانت تعتمد اقتصادياً على «كوداك»، شهدت تدهوراً اقتصادياً حاداً بعد انهيار الشركة.

تاريخ «كوداك» لا يتعلق بفشل تكنولوجي بقدر ما يتعلق بفشل في الرؤية. إنها قصة شركة فضّلت حماية نموذجها القديم على ابتكار نموذج جديد، فخسرت دورها الريادي الذي استمر قرناً كاملاً.

درس كلاسيكي في أدبيات... الاقتصاد

تمثل قصة «كوداك» درساً كلاسيكياً في الأدبيات الاقتصادية حول مخاطر تجاهل التحولات التكنولوجية، لكنها أيضاً قصة إدارة تمسكت بالنموذج الذي حقق لها الأرباح حتى عندما أصبحت معالم العصر الجديد واضحة.

لخص ستيف ساسون المأساة بقوله: «كانوا يفكرون كأصحاب مصنع فيلم، لا كشركة تكنولوجيا».